رؤية الاقتصاد الإسلامي للطبقية الاجتماعية

رؤية الاقتصاد الإسلامي للطبقية الاجتماعية
هناك فرق بين مصطلحي الدرجات الموجودة في القرآن الكريم كقوله تعالى: )وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ( [165: الأنعام]،  وبين المفهوم المعاصر للطبقية الاجتماعية، "فالتفرقة التي بين طبقة وطبقة باصطلاحها المعاصر لا تتوقف على الغني والفقير، فقد تكون قائمةً على أساس العرف والقانون، فنجد من الطبقة العليا فقراء منسوبين إليها، وهذا النوع من التميز ينشأ إما نتيجة تسلط أناس على السلطة، أو نتيجة استئثار طبقة بالشئون الدينية والكهانة، أو نتيجة توارث الامتيازات من الآباء والأجداد.
وهذا النوع من المزايا الطبقية التي يتمتع بها أناس دون جهد نتيجة انتمائهم لطبقة بعينها هو النوع المرذول المنبوذ؛ لأنه يؤدي إلى عدم تكافؤ الفرص ووضع القيود أمام حرية الأفراد في الحصول على ثمرات عملهم كاملة([1]) "، وهذا ما يحاربه الإسلام محاربة لا هوادة فيها، بل إنَّ الِّدين منذ فجر الخليقة حارب فكرة انقسام الناس إلى طبقات على أساس ما يمتلكون من أنصبةٍ ماديةٍ جليلة أو قليلةٍ، والآية السابقة لا تخدم الغرض الذي تُساق من أجله، ولا يجوز أن يبقى في ظلها نظام الطبقات المعروف بمآثمه ومغارمه ومظالمه ([2])، فالحكمة من التفاوت في الرزق تسيير الحياة الاقتصادية سيرًا طبيعيًا فيتسَخَّرُ كلُّ واحدٍ للآخر، والكل يحتاج إلى الكل.
وهكذا في كلِّ ما جاء من الآيات والأحاديث يُحمَلُ على أنَّ الدرجات هي اختلاف مشروع، لكن لا ينبني عليه حقوقٌ لفئةٍ أو طائفةٍ دون أخرى.
وإنْ كان من أهداف الإسلام الأولية القضاء على الطبقية الاجتماعية بمعناها السلبي، فليس من أهداف الإسلام القضاء على التفاوت في الثروة والدخل، وإنما إقامة التوازن الاقتصادي والاجتماعي، وهذا هو الفارق، فمثلا: تشريعات الإسلام تمنع من بقاء الثروة حكرًا على أفراد أو جهة معينة (كي لا تكون دولة)، ولكن لا تمنع من وصولها إلى أي فرد أو جهة وهذا فارق آخر.
والتوازن المطلوب هو توازن في مستوى المعيشة وليس مستوى الدخل، فالكل متاح له الحد الأدنى من المعيشة الكريمة (حد الكفاية)، بل ويجب كفالة هذا الحد من الدولة التي تمثله، وأيضًا متاح له طلب السعة في الرزق لا يمنعه مانع ما دام وفق حدود الشرع.
ومن هنا نعرف أنه لا يصح توصيف الفقراء في المجتمع الإسلامي بوصفِ طبقةٍ؛ لأن "الإسلام يطارد الفقر، بقوانينه وأنظمته وتوجيهاته، ويعمل بشتى الوسائل على إغناء الفقراء، فإذا بقى في ظل نظام الإسلام بعض الفقراء فهم على أي حال لا يكونوا طبقةً تُسمى (طبقة الفقراء)، فإنَّ شرط الطبقية أنْ تدوم وتتوارث بحكم القانون، ومساعدة التقاليد، وقوانين الإسلام وتقاليد أهله في مختلف العهود لا تفرض الفقر على طائفة من المجتمع، بحيث يتوارثه الأبناء عن الآباء والأحفاد عن الأجداد.
فالفقر في المجتمع الإسلامي ليس جامدًا ولا ثابتًا ولا دائمًا بل هو رحالة ينتقل ويهاجر، وقد يختفي ويزول نهائيًا.
والفقراء إنما هم أفراد قد يكونون أغنياء الغد فإنَّ أبواب الفرص العادلة والطموح المشروع مفتوحة للجميع قال تعالى: )إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ([النور/32]، وقال: )سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا( [الطلاق/7] ([3])"، كما أنَّ الإسلام يتسع للأغنياء بوصفهم أفراد، يجمعون الثروات من حلال لا بوصفهم طبقة لها مزايا شرعية أو حقوق قانونية، يتوارثها الأبناء عن الآباء، والأحفاد عن الأجداد([4]).
بينما الطبقة المذمومة في القرآن الكريم والسنة النبوية هي طبقة المترفين، والمترفون هم المتنعمون الذين قد أبطرتهم النعمة وسعة العيش([5])، فهم أساس الإفساد في الأرض كما قال تعالى: )وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا( [الإسراء/16]، وقد ذكر ابن خلدون عددًا من مفاسد الترف بالإضافة إلى فساد الدين، ومنها فساد الحضارة بسبب الانهماك في الشهوات والاسترسال فيها لكثرة الترف، فيقع التفنن في شهوات البطن من المآكل والملاذ فيفضي ذلك إلى فساد النوع([6])، ويُفسِدُ الملكَ والدولة أيضًا، كما أنَّ المترفين هم سبب الفساد الأخلاقي في المجتمع بما يمارسونه من تَرفٍ مُفسدٍ للخلق ([7])، ومن آثار الترف الاقتصادية أنَّه يُعقِب الفقرَ ويُذل الرقاب([8])، وفي الشريعة من الوسائل ما يعمل على إزالة هذه الطبقة.
ولا توجد في الإسلام الطبقية الاجتماعية؛ لأنَّ كل الناس أمام الشرع في كفةٍ واحدةٍ في الحقوق والواجبات ولو تفاوتوا في الرزق أو العلم أو التدين، فهو لا يُقرر امتيازات لطبقة دون أخرى، فالكل في نظره سواسية([9])؛ لذلك غضب النبي r كما جاء في الحديث: [أَنَّ قُرَيْشًا أَهَمَّهُمْ شَأْنُ الْمَرْأَةِ الْمَخْزُومِيَّةِ التي سَرَقَتْ فَقَالُوا: من يُكَلِّمُ فيها رَسُولَ اللَّهِ e فَقَالُوا وَمَنْ يَجْتَرِئُ عليه إلا أُسَامَةُ حِبُّ رسول اللَّهِ e، فَكَلَّمَهُ أُسَامَةُ. فقال رسول اللَّهِ e : أَتَشْفَعُ في حَدٍّ من حُدُودِ اللَّهِ. ثُمَّ قام فَاخْتَطَبَ فقال: أَيُّهَا الناس إنما أَهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إذا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وإذا سَرَقَ فِيهِمْ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عليه الْحَدَّ، وأيم اللَّهِ لو أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا([10])]، لأنَّ معنى ما طلبه الصحابة أن تكون هناك طبقة اجتماعية معينة خارج حدود الشرع والمساءلة، فردهم النبي r إلى الأصل، وهو حقيقة التساوي في الدين الإسلامي في الواجبات والحقوق، وبَينَّ خطورته في كونه سببًا للفساد والهلكة.
ولكن مع ذكرنا من أنَّ الإسلام يُقر التفاوت الطبيعي في الرزق، فهذا لا يستلزم أنه يدع الغني يزداد غنى، والفقير يزداد فقرًا، بل يتدخل بتشريعه القانوني، ووصاياه الخلقية، لتقريب الشقة بين الأغنياء والفقراء، فحدَّ من طغيان أولئك، ورفع من مستوى هؤلاء([11]).
وتحقيق هذه المسألة يستند إلى مبدأي الوسطية والعدل الَّذَيْنِ تقوم عليهما الشريعة الإسلامية، فأمَّا العدل فهو ميزان الله الذي وضعه في الأرض كما قال تعالى: ]وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ g أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ g وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ[ [الرحمن/7-9]، وأمَّا الوسطية فأصلها العام قوله تعالى: )وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا( [البقرة/143]، والوسطية الإسلامية هنا هي التوسط بين المساواة المطلقة وبين التفاوت المطلق، وهي المساواة إلى حدٍّ معين يسمح للجميع بالعيش معاً بحيث يستطيع كل واحد من أفراد الدولة أو الجماعة المسلمة إشباع حاجاته الضرورية التي لا تستقيم حياته إلا بها، ومن ثُمَّ يسمح بانطلاق الأفراد كل حسب حاجته، وحسب نشاطه ومهارته لينال نتيجة نشاطه وعمله ومهارته ما دام في دائرة المباح، وهذا هو ما جبلت عليه النفس البشرية ولا يمكن أن تبدع أو تنتج إلا إذا علمت أنها ستنال ثواب عملها.
وهذا التوسط والجمع بين حقوق كل أفراد المجتمع نلتمسه أيضًا من تقسيم عمر t للفيء، فقد جمع بين التسوية في حق كل أفراد الأمة من هذا الفيء مع حق من بذل جهدًا في خدمة هذا الدين، أو كان أكثر حاجةً من غيره فقد " ذَكَرَ عُمَرُ بن الْخَطَّابِ يَوْمًا الْفَيْءَ، فقال: ما أنا بِأَحَقَّ بهذا الْفَيْءِ مِنْكُمْ، وما أَحَدٌ مِنَّا بِأَحَقَّ بِهِ من أَحَدٍ إلا أَنَّا على مَنَازِلِنَا من كِتَابِ اللَّهِ عز وجل وَقَسْمِ رسول اللَّهِ r، فَالرَّجُلُ وَقِدَمُهُ وَالرَّجُلُ وَبَلَاؤُهُ وَالرَّجُلُ وَعِيَالُهُ وَالرَّجُلُ وَحَاجَتُهُ([12])"، تقدير الكلام فالرجل يُقسَمُ له ويراعى قِدمه في القسم، أو الرجل ونصيبه على ما يقتضيه قدمه، أو الرجل وقِدمه يعتبران في الاستحقاق وقبول التفاضل كقولهم الرجل وضيعته، وكذا قوله: (والرجل وبلاؤه) أي شجاعته وجبنه الذي ابتلى به في سبيل الله، والمراد مشقته وسعيه، (والرجل وعياله)، أي ممن يمونه، (والرجل وحاجته) أي مقدار حاجته([13])"، ففي هذا الأثر دلالة عظيمة على أنَّ من تمام العدل إعطاء الحقوق لأصحابها، ومن هنا تأتي مسألة التفاوت المشروع، وأيضًا جاء هذا المعنى مرة أخرى في خطبةٍ أخرى لعمر قال فيها: "أمَّا بعد فإن هذا الفيء شيء أفاءه الله عليكم، الرفيع فيه بمنزلة الوضيع ليس أحد أحق به من أحد([14])".
ولذا فالإسلام "لا يسعى إلى التساوي المطلق في الأرزاق والمعاش، ولا يدعو إلى المساواة المادية في الثروات والدخول، لأنَّ من حكمة الله البالغة أنْ يتفاوت الناس في المواهب والملكات، والجهود والطاقات، فمنهم قوى وضعيف، وغني وفقير، وصحيح وسقيم، ومستطيع وعاجز ([15])".
والحقيقة التي لا يختلف عليها اثنان أنَّ " الناس تتفاوت قدراتهم وخصائصهم، فلا بد أن تتفاوت أوضاعهم تبعًا لذلك، وهذا شرط طبيعي لتحمل المسؤوليات في الحياة، ولإعطاء القوامة لمن يستحقها ويستطيع القيام بها، وهذا هو المقصود في قوله تعالى: )وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ([الزخرف/32]، وهذا في مجال الأعمال، أمَّا في مجال المعاملة والحقوق والكرامة. والعدل والحرية والأخلاق والإنسانية والروابط الأدبية والعبادات والشعائر فالكل سواء([16])"، فمن تمام عدل الله عز وجل أنْ تختلف الثمرات باختلاف المدخلات، فلكل مجتهدٍ نصيب، ولهذا فالإسلام بإقراره للتفاوت المقيد بين الأفراد في امتلاكهم للثروات والدخول يُراعي الفطرة البشرية وطبيعتها؛ لأنَّ من الحقائق الكونية الثابتة أنَّ البشر ليسوا جميعًا سواء في قدراتهم الفكرية أو الجسدية، بل هم متفاوتون فيها بحسب قدرة كل منهم على العمل والعطاء؛ لذلك جاز أنْ يكون هناك تفاوت بين الأفراد في الثروات والدخول.
وفي إقرار الإسلام للتفاوت المنضبط مدعاة للعمل والتنافس لأنه يشحذ النفوس للعمل والإبداع والإنتاج والإتقان، وذلك يتفق مع فطرة البشر فكلما وجد الحافز والدافع كلما سعت وتاقت للعمل([17])".
كما أنَّ لهذا التفاوت أثرًا اقتصاديًا في كونه يعتبرُ ضرورة لخلق الحوافز وتحقيق التكامل سواء على المستوى المحلي أو العالمي([18])، كما أنَّ التفاوت في أي مجتمع هو دالة لمستوى الرخاء الذي حققه، فالمجتمع يكون ناجحاً إذا كان أكثر سخاء من المجتمع الذي هو في حد ذاته فقير، والكفاءة أعلى إذا نجح في خفض التفاوت في الوقت المناسب([19])، فتتكامل الأمة والأفراد، وينتج عندنا بسبب هذا التفاوت في الثروة والدخل قيام مصلحة الجميع.
ولكن هو تفاوت له حدوده التي لا يتجاوزها وله التزامات دينية واجتماعية تحد من طغيانه، فإقرار "الإسلام للتفاوت في توزيع الثروات والدخول، سواء على مستوى الأفراد أو الدول، وذلك من حيث المبدأ - وإنْ ضبطه من حيث التطبيق - لا يعني كما يتصور البعض خطأً أنَّ الإسلام يُقر الطبقية بين الأفراد أو يسلم بسيطرة أو تحكم جماعة أو دولة على المجتمعات الأخرى ([20])"، فقد ضبطه بضوابط، ووضع له حدودًا والتزامات، وترجع مراقبة هذه الالتزامات إلى المراقبة الذاتية من الفرد نفسه؛ لأنه يطلب بها مقابلا أيضًا من الله عز وجل قد يكون في الدنيا بركةً في الرزق، أو مداواة لأمراض وأدواء نفسية أو جسدية، أو حلولاً لمشاكل حياتية، ويُريد مقابلا لما يقدمه الفوزَ بنعيم الجنة أو النجاة من النار. فإنْ لم تؤثر هذه الرقابة الذاتية الداخلية، فيأتي هنا دور المجتمع المسلم ممثلا بالدولة وأدواتها في إعادة الميزان إلى نصابه، فيعطي كل ذي حق حقه؛ لأنَّ هذا التفاوت وهذه الفروق إذا تُركت وشأنها دون التخفيف من اتساعها وحدتها لأصبحت عوامل للهدم، ووسائل للتحطيم، وهذا ما أدركه التشريع الإسلامي([21]).
فنظرة الإسلام للعدالة تقتضي أنَّ كل جهة من الجهات الموجودة في المجتمع تنظر إلى صاحب الحاجة، وحقه في إشباع حاجته، وتنظر إلى صاحب الجهد والعمل وحقه في أن ينال جزاء جهده وعمله.
فالإسلام في تحقيقه للعدالة الاجتماعية يقوم على مبدأي المساواة المطلقة بين الأفراد من ناحية في تكافؤ الفرص، ومن ناحية أخرى جواز التفاوت بين الأفراد في حدود معينة ([22])؛ لأنَّ الإسلام دين العدل والعدالة، ومن تمام العدالة أنه لا يُسوي بين الذين يعملون والذين لا يعملون، ومن تمام العدالة أيضًا أنْ يُقدَّر وَضْع من منعه مانعٌ من العمل، فيُعطى مقابل حاجته، وأمَّا قول من قال بأنَّ الإسلام لا يسمح بالغنى، ولا يعترف بأحقية فرد في إشباع ما زاد عن الحاجات الضرورية طالما أنَّ موارد الجماعة تَعجز عن توفير الضروريات لأفراد المجتمع ([23])، فهو قولٌ أرى أنَّ فيه مبالغةً تخالفُ ما كان عليه النبي r وصحابته y، فأصحاب الصفة كانوا يعيشون على ما يعطيهم الناس، وأغنياء الصحابة نجد منهم من يتزوج بنواة من ذهب([24])، ولم يُطالب الأغنياء بوجوب تفريق ما عندهم من أموال بحجة أنَّ الغنى لا يُسمح به مع وجود الفقر، فإذا كان هذا هو الصحيح فمن أين يأتي مُُسمى ما عندهم للفقراء، وإنما خُوطبوا على جهة الندب فقط.
ولذا لا نقول كمن قال: لا يحل الغنى إذا وجد فقر معه. وكأنَّ الحل عند من قال بهذا القول أنه إذا وجد فقراء في محلة معينة، ولم يكن معهم من المال ما يغطي حاجتهم، فإن الأغنياء يجب أن يكونوا فقراء حتى لا يدخلوا في الحرام، فيرجع الناس كلهم للفقر إذا لم تغطي أموالهم حاجات كل الناس، وإنما الإسلام يعترف بالغنى في كل الأحوال ولكن يُرتب عليه واجبات، كالزكاة والنفقات، ومن ثم أيضا يفتح باب التبرع (على الندب فقط) على مصراعيه، ويرتب على الفعل المندوب ما يحفز هؤلاء الأغنياء للإنفاق، وما ذهب إليه هؤلاء هو ما ذهب إليه أبو ذر الغفاري t ، فلم يكن يرى أنَّ لأحدٍ حقٌ في هذا المال إلا بما يكفيه، واستدلالهم بمثل قوله: "عجبت لمن لا يجد القوت في بيته، كيف لا يخرج على الناس شاهرا سيفه "، ولكن فهمه هذا خالفه فيه كل الصحابة ابتداء من عثمان t إلى بقية الصحابة كما لم يثبت عنه القول السابق([25]).
ولم نعرف عن عمر وهو في عام الرمادة أنه أخذ ما زاد عن حاجة الأغنياء من أموالهم، مع ما كان عليه عامة المسلمين من الحاجة، وهذا كله في حالة غير حالة الضرورة التي تستمر الحياة بها ففي هذه الحالة إذا جاز أكل لحم الميتة وما ذبح لغير الله عند الاضطرار، فمن باب أولى ما كان حلالا في أصله، ممنوعًا في وصفه، وهو أنْ يكون الأخذ من مال الآخرين عند الضرورة.
ولا بد أنْ نفرق بين واجبات الدولة، وحقوق الفرد في الغِنى، فمن قال بعدم اعتراف الإسلام بالغنى إلا بعد القضاء على الفقر له وجه من النظر إذا كنا نتكلم عن التوزيع الحاصل من قبل الدولة، ولكنْ غير صحيح إذا كنا نتكلم عن اكتساب الأموال بشكل عام. فالتفريق في النظر للتفاوت في الدخل بالنظر إلى ما يجب فيه التساوي من قبل الأفراد ومن قبل الجماعة ثم من قبل الدولة. فما يجب على الدولة من إقامة التساوي فيه هو ما أعلى من حد الكفاف للفرد (القدر الذي يحفظ له حياته وقدراته على العمل والإنتاج)([26])، وهذه المسافة بين حد الكفاف وحد الكفاية، والانتقال فيها تكون على حسب قدرات وموارد الدولة الإسلامية، وليست قابلة للنقصان وهي قابلة للزيادة.
وأرى أنَّ إلزامية الدولة المسلمة -خاصة الناشئة منها- بما فوق طاقتها هو من التعسف والتصور النظري المحض الذي يعارضه ما كانت عليه حالة الدولة المسلمة في عهد النبي r في أول فتراتها من شدة وضيق. ويمكن أنْ يكون هذا هو الوضع المثالي للدولة الإسلامية في حالة اتساع مورادها.
ولكن أيضًا في سياق واقع اليوم، من الصعب جدًا إعطاء إجابة قاطعة بشأن ما إذا كان جميع الدول الإسلامية (باستثناء عدد قليل من الدول الغنية) قادرة على تقديم ضمانات لتوفير الحد الأدنى من الغذاء والمأوى والملبس والتعليم والرعاية الصحية لشعوبها. ففي حالة العديد من البلدان الإسلامية الأقل نموًا من أجل توفير الحد الأدنى من المأوى وحدها ربما تلتهم موارد الميزانية، ومما لا يترك عمليًا أي شيء للبنود الأخرى من النفقات الحيوية([27]).
فيبقى معنا القاعدة العامة، وهي ما قال الله تعالى: )لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آَتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آَتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا( [الطلاق/7]، فيتساوى الناس حتى حد الكفاية، ثم يجوز التفاوت فيما فوق حد الكفاية.
ومن المهم في أثناء حديثنا عن التساوي والتفاوت في الدخل من وجهة النظر الإسلامية أنْ نبين هنا أنَّ هناك شكلا آخر للتساوي - اعْتَبِرُهُ مما يجب أن يكون فيه التساوي المطلق- وهو " أن يتساوى الناس في تهيئة الفرص، فيتوافر التعليم المثمر لكل الناس حتى تظهر القوى، ويُوسدُ إلى كل إنسان ما يصلح من عمل([28])". فيتساوى الناس في الفرص، ولا تكون حِكرًا لطائفة أو جهة.
كما أنَّ إقرار الإسلام للتفاوت يتم بناء على أن تكون مسبباته مشروعة من العمل والملكية، ولكن مع هذا فإن السياسات الاقتصادية والمالية في الإسلام تعمل على التخفيف من حدة هذا التفاوت، وهي خلال معالجتها للجوانب السلبية للتفاوت تحافظ على آثاره الإيجابية.
فالإسلام كما أنه لا يقر التفاوت الشديد أو تسلط أقلية على مقدرات الجماعة كما هو شأن المذهب الفردي والنظم المتفرعة عنه كالرأسمالية، فهو لا يقر إذابة وإزالة الفوارق وإقامة المساواة الفعلية أو المطلقة كما هو شأن المذهب الجماعي والنظم المتفرعة عنه كالاشتراكية الشيوعية ([29]).
 فليس في التصور الإسلامي أنْ يكون الظلم الاجتماعي، أو إهمال حق الفقراء والضعفاء، أو تكديس الأموال واكتنازها هو الغاية التي يسعى إليها عنصر المال أو الملكية أو العمل في نظر الإسلام([30])، بل العكس هو الصحيح، إذ أنَّ إلحاق فقراء الأمة بأغنيائها، ومنع تراكم الثروات المفرطة المولدة


[1] - الإسلام والمذاهب الاقتصادية المعاصرة. ص185.
[2] - الإسلام والأوضاع الاقتصادية، محمد الغزالي، نهضة مصر للطباعة والنشر- القاهرة، ط 3، 2005م، ص 17.
[3] - مشكلة الفقر وكيف عالجها الإسلام، يوسف القرضاوي، مؤسسة الرسالة، 1406هـ - 1985م، ص 145-146.
[4] - دور القيم والأخلاق في الاقتصاد الإسلامي، يوسف القرضاوي، مكتبة وهبة- القاهرة، ط 1، 1415هـ-1995م، ص41.
[5] - زاد المسير في علم التفسير. عبد الرحمن بن علي الجوزي. المكتب الإسلامي-بيروت. ط 3. 1404هـ ، ج5/ص19.
[6] - مقدمة ابن خلدون، مرجع سابق، ص374
[7] - المرجع السابق، ص 169.
[8] - المرجع السابق، ص 250.
[9] - حق الفقراء، مرجع سابق، ص37.
[10] - صحيح البخاري، (ج3/ص1282، رقم 3288). وصحيح مسلم، (ج3/ص1315، رقم 1688).
[11] - انظر : دور القيم والأخلاق في الاقتصاد الإسلامي، يوسف القرضاوي، مرجع سابق، ص403.
[12] - سنن أبي داود، (ج3/ص136، رقم2950). وقريب من لفظه عند أحمد بن حنبل، (ج1/ص42، رقم292).
[13] - عون المعبود شرح سنن أبي داود، محمد شمس الحق آبادي، دار الكتب العلمية-بيروت، ط 2، 1995م، ج8/ص119.
[14] - الأموال. أبو عبيد القاسم بن سلام. دار الفكر – بيروت. 1408هـ- 1988م. تحقيق: خليل هراس، ص335- ص336.
[15] - اقتصاديات الغنى في الإسلام، عمر بن فيحان المرزوقي، جامعة الملك سعود- الرياض، ط 1، 1423هـ، ص57.
[16] - الإسلام وعدالة التوزيع. محمد الفنجري. الإتحاد الدولي للبنوك الإسلامية -القاهرة. ط 1. 1402هـ- 1982م ، ص 8.
[17] - حق الفقراء، مرجع سابق، ص 45 .
[18] - الإسلام وعدالة التوزيع، مرجع سابق، ص 7.
[19] - A Macro Model of Distribution in an Islamic Economy, AUSAF AHMAD. J. Res. Islamic Econ., (1404/1984). Vol. 2, No. 1, pp. 7.
[20] - الإسلام وعدالة التوزيع، مرجع سابق، ص 8.
[21] - اقتصاديات الغنى في الإسلام، مرجع سابق، ص57.
[22] - حق الفقراء، مرجع سابق، ص،38.
[23] - انظر كتاب: الإسلام والمشكلة الاقتصادية للفنجري، ص 80. وكتاب حق الفقراء، ص 39.
[24] - صحيح البخاري، (ج2 /ص722، رقم1943) وصحيح مسلم، (ج2/ص1042، رقم1427) في قصة زواج عبدالرحمن بن عوف، وتساوي النواة من الذهب على قول الجمهور: 15,85 جم، (انظر: تحويل الموازين والمكاييل الشرعية إلى المقادير المعاصرة، عبد الله بن سليمان المنيع، مجلة البحوث الإسلامية - الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء– المملكة العربية السعودية، العدد 59، من ذي القعدة إلى المحرم 1420هـ، ص 193.
127- بحثت عن هذا القول في كتب التراث، فلم أجد أحدًا ذكره عن أبي ذر أو نسبه إل غيره، لكنَّ رأي أبي ذر في عدم استباحة الفضل لصاحبه هو رأي مشهورٌ ومعروفٌ عنه. ولذا نفاه عثمان بن عفان t إلى الربذة حتى لا يُفتن الناس برأيه.
[26] - الإسلام والمشكلة الاقتصادية، مرجع سابق، ص 60.
[27] - Guidelines for key issues in Islamic, by Mohammad Abdul Mannan, International Centre for Research economics in Islamic Economics. King Abdulaziz University Jeddah, Saudi Arabia 1405 A.H, – 1985 A.D. pp:21.
[28] - المجتمع الإنساني في ظل الإسلام، محمد أبو زهرة، الدار السعودية– جدة، ط 2، 1401 هـ- 1981 م، ص177.
[29] - الإسلام وعدالة التوزيع، مرجع سابق، ص 7.
[30]- المشكلة الاقتصادية في ضوء تعاليم الإسلام، رؤوف شلبي، دار الاعتصام- مصر، 1981م، ص 66.