رؤية الاقتصاد الإسلامي للفقر والغنى

رؤية ا لاقتصاد الإسلامي للفقر والغنى
وأيضًا لا يعني هذا كله الاستسلام للفقر باعتباره قدر كوني؟ أي: أنَّ الفقر في ذاته لا يمكن أن يُمحى ويصبح كل الناس أغنياء ويختفي التفاوت بين الناس، "فلا يزال الناس مختلفين غنىً وفقراً إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، لأن الأسباب في زوال التفاوت غير ممكنة، إذ لا يزول التفاوت إلا إذا اتحدت القوى، واتحدت أسباب الرزق، واتحدت الأجواء المادية والفكرية التي تُظِل المنتجين ([1]) ". ولكن الفقر قدر شرعي يمكن القضاء عليه، وليس في ذلك معارضة لقدر الله، بل هو قدرُ نفر منه إلى قدر آخر وهو الغنى، ولذلك حثَّ الإسلام على علاج الفقر بداية من الفرد نفسه بالعمل، وبذل الجهد في السعي لطلب الرزق، ويسرَّ له الأرض ليسعى فيها في إيجاد المعاش له ولمن يعول.
كما أنَّ الجانب الجماعي غير مَنسي في الشريعة الإسلامية، فالمجتمع بكامله يُشارك في علاج الفقر، كما أنّ على الدولة تأمين مستوى معيشي يحقق التوازن الاقتصادي والاجتماعي في المجتمع المسلم، وهذا المستوى المعيشي المطلوب في الإسلام يقوم على الوفاء بالاحتياجات الاقتصادية والاجتماعية التي تناسب العصر الذي يعيش فيه المسلمون، ولا تتعارض مع قواعد الإسلام وأصوله، وتتلخص بصفة عامة في المأكل والمشرب والملبس والمسكن وأدوات الاتصال والانتقال وتكوين الأسرة والتعليم ومواجهة الأحداث والكوارث والإصابات والوفاة وتحقيق الأمن والقوة الحربية وغيرها، وأنْ يتحقق ذلك لعامة المجتمع، وليس لطائفةٍ أو طوائف معينة دون باقي المجتمع.
ورؤية الاقتصاد الإسلامي للفقر تنطلق من أصول الشريعة التي تشير إلى أنَّ الفقر من أقدار الله المطلوب الفرار منها كالمرض والكفر، فهو قدر كوني جعله الله عز وجل في الأرض للابتلاء، ولا يرضاه الله لعباده، وعدم رضاه عز وجل معناه أنَّ عليهم السعي للخروج من دائرته، ومما يدل على ذلك أنَّ النبي r استعاذ منه في أكثر من مرة وبأكثر من صيغة، من قوله كما ورد عن أبي هُرَيْرَةَ أَنَّ النبي r كان يقول: [اللهم إني أَعُوذُ بِكَ من الْفَقْرِ وَالْقِلَّةِ وَالذِّلَّةِ وَأَعُوذُ بِكَ من أَنْ أَظْلِمَ أو أُظْلَمَ ([2])]، وكما قال عمر t عندما امتنع من دخول الشام لما سمع بالوباء فيها. فقال: أبو عبيدة بن الجراح t: أفِرَارًا من قدر الله. فقال عمر: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة. نعم نفر من قدر الله إلى قدر الله([3])؛ فالفقر مرض وداء، وإذا كان الفقرُ داءً فإنَّ الله جعل له دواءً، وإذا كان قدرًا من الله فإنَّ مقاومته والتحرر من ربقته من قدر الله أيضًا ([4]).
هذا مع ما للفقر من أضرار على الفرد وعلى المجتمع وعلى الإنسانية، سواء كانت دينية أو أخلاقية أو اجتماعية، ولا ينكرها إلا مكابر([5])، وبالمقابل حث الرسول r على الغنى، ودعا به، وجعله الله عز وجل نعمة يمن بها على عباده، وبينَّ أن الغِنى يكون نتيجة للإعمال الصالحة، وهو سبب للقيام بالصالحات، وبالمقابل جعل الله الفقر والجوع من عقوبات المخالف لنهج الله.
والغِنى المطلوب شرعًا هو أنْ يملك الإنسان مالاً كثيراً، فاضلاً عن حاجاته الأصلية، بحيث يَعتبره أهل زمانه والمكان الذي يعيش فيه غنياً، وذلك أمر نسبي يختلف باختلاف الأشخاص والأزمنة والأمكنة، ويختلف حتى باختلاف الأحياء في المدينة الواحدة، ولكن الإسلام لا يَعتبر الغِنى مقياسًا لقيمة مالكه، أو عنوانًا لفضله وصلاحه، بل هو نعمة من الله يمتحن به أصحاب المال : أيشكرون أم يكفرون؟([6])
ولما كان الغِنى مطلوبًا شرعًا كانت له مقاصد في الإسلام منها([7]):
1.    إشباع غريزة التملك.
2.    إغناء الفرد نفسه ومن يعول، وحفظ ماء وجهه عن سؤال الناس.
3.    المشاركة في بناء المجتمع.
4.    تحصيل أجر الإنفاق.
وضابط الإسلام في الحث على الغنى ونيل الثروة ألا يكون المال متداولاً بين فئة قليلة من الناس أو قاصرًا على أفرادٍ ودول معينة ([8])، وأنْ لا يكون الغنى سببًا للطغيان ومجاوزة الحد في معصية الله عز وجل، وأنْ يُصرف وفق مراد الله في المباحات بدون إسراف أو تبذير، وأنْ يُخرِج الغَنيُّ حقوقَ الله في المال من الزكاة وصدقة الفطر والكفارات، وحقوق العباد من النفقات الواجبة وسداد الديون وتحمل الدية، وكذا ما يجب عليه لمساندة المجتمع والدولة وإقامة المصالح وإعانة المحتاجين من أفراد المجتمع، فقد أمره الله بالإحسان إلى الفقراء والإنفاق عليهم، ومنها تزويجهم، ونَدب نَظَرته للمَدين إذا كان مُعسرًا([9]).
فإذا وصل كل أفراد المجتمع إلى حد الكفاية وخرجوا من مسمى الحاجة، وتجاوزت الدخول هذا الحد، فإن عدالة التوزيع تقتضي أن يكون هناك تفاوت بين الأفراد.
ولذا لا يوجد حدٌ أعلى للغِنى، ولا يعني ذلك أنَّ الغنى متلازم مع الترف، فالترف مرتبط بنمط الإنفاق - بغض النظر عما يملك الإنسان من أموال – وما يرد على الغنى من قيود هو فقط في ضرورة توفير حد الكفاية لمن عليه كفايتهم، والتوسط في الإنفاق بدون ترف أو تقتير([10])، وللشاطبي كلام واضح في هذا المعنى عندما قال: "ولم ينه عن أصل الاكتساب المؤدي إلى ذلك، ولا عن الزائد على ما فوق الكفاية، بناء على أنَّ الأصل المقصود في المال شرعا مطلوبٌ، وإنما الاكتساب خادم لذلك المطلوب، فلذلك كان الاكتساب من أصله حلالا إذا رُوعِيت فيه شروطه، كان صاحبه مليًا أو غير مَلي، فلم يخرجه النهي عن الإسراف فيه عن كونه مطلوبًا في الأصل لأنَّ الطلب أصلي والنهي تبعي ([11])".
ويؤدي تطبيق قاعدة ضمان حد الكفاية إلى آثار اقتصادية واجتماعية ايجابية كونه يمثل تأمين مستوى لائق بالنفس الإنسانية التي كرمها الله عز وجل. وإنْ كان هذا هو العنصر الثابت في مسألة إشباع الحاجات وفق الرؤية الإسلامية، فإنَّ العامل المتغير هو تفصيل الحاجات التي يتم إشباعها في مجال الكفاية، وكذلك درجة إلزامية الدولة المسلمة أو الأقارب أو المجتمع، فتوفير حد الكفاية مرتبط بسعة الموارد الاقتصادية والمالية بالنسبة لهم، ووفق القاعدة التي وضعها الله عز وجل بقوله: }لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آَتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آَتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا{ [الطلاق/7].


[1] - المجتمع الإنساني لأبي زهرة، مرجع سابق، ص 178.
[2] - مسند أحمد (ج2/ص305، رقم8039). سنن أبي داود (ج2/ص91، رقم1544). سنن النسائي (ج8/ص261، رقم5461). وصححه الحاكم في المستدرك، (ج1/ص713، رقم 1947)، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير، ص276، رقم1287.
[3] - صحيح البخاري (ج5/ص2163، رقم 5397). صحيح مسلم (ج4/ص1740، رقم 2219).
[4] - علاج مشكلة الفقر، مرجع سابق، ص 20.
[5] - انظر: مشكلة الفقر للقرضاوي، في بيان لبعض هذه الأضرار، ص 14-19.
[6] - انظر : دور القيم والأخلاق في الاقتصاد الإسلامي، يوسف القرضاوي، مرجع سابق، ص99.
[7] - انظر: أحكام الأغنياء، عبد الله لام بن إبراهيم، دار النفائس- الأردن، ط 1، 2003م، ص124.
[8] - الإسلام وعدالة التوزيع، مرجع سابق، ص6.
[9] - انظر: حكمة الابتلاء بالفقر وكيف عالج القران الكريم هذه المشكلة، محمود احمد سعيد الأطرش، دار القمة/دار الإيمان- الإسكندرية، ص43. وأحكام الأغنياء، ص310.
[10] - انظر: الإسلام والاقتصاد. عبدالهادي علي النجار. سلسلة عالم المعرفة- إصدار المجلس الوطني للثقافة والفنون والأداب- الكويت. العدد 63. مارس  1983، بتصرف، ص141-142.
[11] - الموافقات، للشاطبي، ج3/ص213.