إشباع الحاجات في النظانم الرأسمالي الاشتراكي

إشباع الحاجات في الاقتصاديات المختلفة
الفرع الأول: إشباع الحاجات في الفكر الغربي
يُسمى هرم الحاجات لماسلو، والذي قدمها في عام 1954 في كتابه "الشخصية والدوافع الإنسانية "، وتتلخص بالتالي: مستوى الحاجات العضوية التي يشترك فيها الإنسان مع الحيوان في توقف حياته على إشباعها كالأكل والشرب والإخراج. والثاني: حاجات الأمن الجسدي من الألم والإيذاء كالملابس والمسكن، والأمن المعنوي تدفعه إلى الاطمئنان على مستقبله. والثالث: الحاجات الاجتماعية مثل الرغبة في الانتماء. والرابع: حاجات التماس التقدير الاجتماعي. والخامس: الحاجات التي تحقق للفرد التعبير عن الذات، وتحقيق ما له من إمكانات ([1]). ويوضحه الشكل التالي:
والحدَّ الأدنى من المعيشة قد يُطلق على الفقر المطلق أو النسبي، حيث أنَّ الفقر المطلق هو حرمان الفقراء من الناحية المادية إلى حدٍّ يكون حياتهم على حافة الخطر، وأمَّا الفقر النسبي فالفقراء فيه يكونون أقل حرمانًا مقارنة بالفئات الاجتماعية الأخرى في الحصول على الأساسيات المادية([2])، وهذا هو حدٌّ منخفض، وقد اختار عبدالرزاق الفارس تعريفًا أشمل للفقر بأنَّه" عدم القدرة على تحقيق مستوى معين من المعيشة المادية يمثل الحد الأدنى المعقول والمقبول في مجتمع ما من المجتمعات في فترة زمنية محددة([3])".
ومفهوم الفقر تطور من تحديده بالدخل المنخفض إلى اعتبار الفقر هو الحرمان من القدرات الأساسية وليس مجرد تدني الدخل، كما حدده أمارتيا صن (الحائز على جائزة نوبل عام 1998م) بالحرمان من القدرات، ورَبطُ الفقر بالحرمان يُشير إلى ثلاثة أبعاد رئيسة، الأول منها يرتبط بالعيش والبقاء والوفاة في سن مبكرة جدًا، والبعد الثاني مرتبط بالمعرفة وعدم القدرة على القراءة والاتصال، والثالث مرتبط بمعيار أو مستوى الحياة المعيشية([4]).
ولقياس الفقر يُستخدَمُ مؤشران، الأول: مؤشرات الدخل. والثاني: خطوط الفقر، والتي تمثل محاولة منهجية لوضع تقدير كمي للحد الأدنى من الحاجات الأساسية التي ينبغي تحقيقها من أجل استمرار الحياة الإنسانية للفرد بطريقة مقبولة، وتُقسّم خطوط الفقر إلى خط الفقر وخط الفقر المدقع. وخط الفقر (Poverty Line) يُعَرَّف بأنه: إجمالي تكلفة السلع المطلوبة لسد الاحتياجات الاستهلاكية الأساسية المطلوبة، وخط الفقر المدقع (Poverty Line Extreme) يُعرَّف بأنه: الحد الأدنى الإجمالي لتكلفة السلع الغذائية الأساسية اللازمة لاستمرار الحياة، وحدده اقتصاديو البنك الدولي بـ (2250) سُعرة حرارية لكل فرد في اليوم([5]).


ورؤية المذاهب الاقتصادية لمسألة إشباع الحاجات تنطلق - كما ذكرنا- من رؤيتها للحياة الاقتصادية بشكل عام، فالنظام الرأسمالي يقوم "أساسا على دافع المصلحة الشخصية، ويمثلُ سعي مُلاكِ وسائل الإنتاج لتحقيق أقصى ربحٍ ممكنٍ الصورةُ الأساسيةُ للمصلحة الشخصية في إدارة النشاط الاقتصادي للمجتمع الرأسمالي، ومن هنا يأتي اعتراف النظام الرأسمالي بالحاجات واهتمامه بها في حدود ما تسهم به في تحقيق الأرباح لهذه الفئة، وذلك بغض النظر عن درجة إلحاحها([6])"، ولذا هُمِّشت أنشطة ومجالات رغم أهميتها لمجموع الناس وآحادهم؛ لأنَّ الحاجة في السوق ليس لها قيمة إذا لم ترافقها قوة شرائية، ومقدرة نقدية ([7]).
وهذا هو الملاحظ في السياسات الاقتصادية للدول القائمة على هذا النظام فَجُلُّ سياستها واهتماماتها منصرفة لهذه الفئة، وما تبقى فيُوجه كدعمٍ لطائفةٍ من المجتمع قد يَصِلُ، وقد يَمنَعُ من وصوله مانعٌ تنظيمي، أو ثقافةٌ اجتماعية معينة. فتتكون عندنا طائفة تتمتع بكل الامتيازات وتشبع رغباتها، وطائفة لا تكاد تنال إلا الفتات الذي تشبع به بعض حاجتها الأساسية، ولم يكن محض خيالُ ذلك الذي صوره جون شتاينبك (روائي أمريكي حاز جائزة نوبل للآداب عام 1962) في إحدى رواياته لأطفال الأحياء الفقيرة في مدينة أميركية، وهم يزحفون لالتقاط بضع ثمرات من التفاح من بين الأكوام التي صب عليها الجازول([8]) . وفي أمريكا الوسطى ومنطقة الكاريبِي، حيث تبلغ نسبة الأطفال سيئي التغذية 80 بالمائة في بعض البلدان، تُخصص نحو نصف الأراضي الزراعية، ودائمًا أفضل الأراضي لإنتاج المحاصيل والماشية من أجل نخبة محلية، وللتصدير بدلا من إنتاج الغذاء الأساسي للشعب ([9])".
وبالتتبع التاريخي لنشأة مسألة إشباع الحاجات نصل إلى أن هذه المسألة ليست من أصول الاقتصادي الرأسمالي، " فمنذ القرن السادس عشر،لم تكن نظرة الغرب إلى مساعدة الفقراء سوى وسيلة لتنظيم العمالة وتهدئة خواطرها وتنظيم الاقتصاد الوطني، فإنَّ هذه البرامج كانت وسيلة للسيطرة على العاطلين ولاستعادة الأمن والاستقرار، وعندما تخمد سطوة الغضب فإنَّ نظام الإعانات يأخذ في التقلص، وتعود معاملة الأنظمة للعجزة والمسنين والذين لا يرغب فيهم سوق العمل معاملة رديئة تخيف العاملين من تردي أوضاعهم إلى مثل أوضاع الذين يعيشون على هذه الأنظمة، فيقبل العامل من أجل ذلك أحط الأعمال بأبخس الأجور"، واستمر الأمر كذلك وحتى بعد اعتماد برامج الإعانات فقد كانت تعامل صاحب الحق بنظرة دونية ليست نظرة مجتمعية فقط، وإنما قانونية "فلم تمنح بريطانيا حتى عام 1918م، الذين يتلقون حق الإعانات حق التصويت، وكذلك كان الحال حتى عام ٍ1934م في الولايات المتحدة، إذ أن دساتير أربعة عشر ولاية حرمت هؤلاء حق الانتخاب، وحق تقلد المناصب العامة([10])".
وليست هذه حادثة تاريخية بل هي طبيعة ثابتة من طبائع النظام الرأسمالي، فبعد انتهاء الحرب الباردة بدأت العولمة تكشر عن أنيابها، وتعلن صراحة أنَّ ما كان من إشباع لحاجات الفئة المحتاجة من المجتمع سوف ينتهي؛ وذلك لأنَّ رؤوس الأموال لن تسمح باستمرار أخذ شيء منها بدون مقابل من عمل أو خدمة، وهذا ما يروج له منظرو العولمة الذين يطلقون مقولات خطيرة تخبر بهذا الهدف ومنها: "إنَّ مراعاة البعد الاجتماعي واحتياجات الفقراء أصبحت عبئًا لا يطاق، وإنَّ دولة الرفاه تهدد المستقبل، وأنها كانت مجرد تنازل من جانب رأس المال إبان الحرب الباردة، وإن ذلك التنازل لم يعد له الآن ما يبرره بعد انتهاء هذه الحرب، أو القول مثلا: على كلِّ فردٍ أنَّ يتحمل قدرًا من التضحية حتى يمكن كسب المعركة في حلبة المنافسة الدولية. أو الادعاء بأنَّ شيئًا من اللا مساواة بات أمرًا لا مناص منه ([11])"، ومما يدلل على أهمية هذه التصريحات والأقوال أنها خرجت من الإطار النظري إلى الإطار العملي، أو من مجرد أقوال إلى أفعال فقد " وجدت هذه الأفكار انعكاسها الواضح في السياسات الاقتصادية الليبرالية، التي تطبق الآن في مختلف دول العالم دون مشاركة الناس أو موافقتهم على تلك السياسات([12])" .
وبالنسبة لرؤية النظام الاشتراكي للحاجات وتحديدها فقد أدرك أهمية الحاجات بشكل عام، وبدورها الفعال في تحديد نمو المجتمع وتطوره، ولذا فإنَّ النظام الاشتراكي الذي يمثل – في تصور دعاته– المرحلة الأولى للشيوعية، يسعى للتحكم في تطور المجتمع، ويحاول دفع نموه نحوها بسرعة، ويستعين بمفهوم الحاجات في هذا الصدد، ويستند النظام الاشتراكي في تحديده لمفهوم الحاجات إلى الفلسفة الماركسية – اللينينة([13])، والذي يقوم بتحديد الحاجات وترتيبها وتوجيه الموارد المتاحة لإشباعها هو جهاز التخطيط الذي يقوم المشرفون فيه بتحديد احتياجات المجتمع من سلع وخدمات، بناءً على الفلسفة الماركسية. وبغض النظر عن أنَّ هذه الفلسفة المادية قد أثبت التاريخ فشلها، لمخالفتها المعقول وما فُطر الناس عليه، فإنَّ تحديد هذه الاحتياجات لم يكن منضبطًا، فقد كان يتم الاهتمام بأنشطة اقتصادية واجتماعية وثقافية رغم أنها لا تُشبع الاحتياجات الأساسية للمجتمع، وبالعكس قد نجد مجالات حيوية مهمشة([14]).
وقد مرت التجربة الاشتراكية الماركسية بفترة حكم طويلة نوعا ما (قرابة 70 سنة) استطاعت أن تؤمن مستوى أولي من الضروريات لأفرادها، ولكنها قامت بالمقابل بجعل الناس طبقة واحدة، ليست الطبقة التي تحقق الإشباع الكافي لكل أفرادها، وإنما أكبر طبقة يمكن أن تكون البشرية قد عرفتها تعيش على الحد الأدنى من الضروريات، وإن كان هناك طبقة أخرى تستأثر بأكبر قدر من إشباع الحاجات فهي طبقة القيادات الحزبية.
وهذا أدى إلى ما عرف من انتفاضة شعبية في نهاية الثمانينات ضد الأفكار الاشتراكية وخروج الجماهير تدك معالم هذا النظام، وانهيار هذه المنظومة في فترة قياسية جدًا يؤكد عدم قدرتها على حل مشكلة إشباع الاحتياجات، وإنما تفاقمت هذه المشكلة بشكل مهول لما قدمنا من توسيع دائرة المحتاجين للدولة. والتجربة تقريبًا انتهت، وما بقى منها فهو في مرحلة النزع الأخير، أو تغيير الشكل، ولم يتبق إلا الاسم وقليلٌ من المُسمى.


[1] - انظر: دوافع الفرد بين المنهج الإسلامي والفكر الغربي، طارق عبد الحليم، مجلة البيان- لندن، العدد 18، شوال 1409هـ- مايو 1989م، ص42. والاقتصاد الإسلامي مدخل ومنهاج، ص62- 63. والحاجات الأساسية للصالحي، مراجع سابقة، ص217.
[2] - انظر: عدالة التوزيع والتنمية، لأحمد منصور، مرجع سابق، ص210-211.
[3] - انظر: الفقر وتوزيع الدخل في الوطن العربي. عبدالرزاق الفارس. مركز دراسات الوحدة العربية. بيروت. ط 1. 2001م ، ص19.
[4] - انظر: التنمية حرية، أمارتيا صن، مرجع سابق، ص 113. والسياسات الاقتصادية الكلية والفقر، مرجع سابق، ص43.
[5] - انظر: السياسات الاقتصادية الكلية والفقر، مرجع سابق، ص50. والفقر وتوزيع الدخل، مرجع سابق، ص24.
[6] - مفهوم الحاجات في الإسلام وأثره على النمو الاقتصادي، عبدالله عبدالعزيز عابد، بحث مقدم للمؤتمر العالمي الثاني للاقتصاد الإسلامي بجامعة الملك عبدالعزيز بجدة، ص13.
[7] - انظر: الحاجات الأساسية في الاقتصاد الإسلامي. صالح الصالحي. ندوة السياسات الاقتصادية في إطار النظام الإسلامي. البنك الإسلامي للتنمية. المعهد الإسلامي للبحوث والتدريب. الندوة36. الجزائر 1411هـ- 1990م ، ص208-209، بتصرف
[8] - أمراض الفقر. فيليب عطية. سلسلة عالم المعرفة. المجلس الوطني للثقافة والفنون - الكويت. العدد (161) ، ص 8.
[9] - صناع الجوع وخرافة الندرة. فرانسيس مور لاپيه. وجوزيف كولينز. ترجمة: أحمد حسان. سلسلة عالم المعرفة.  إصدار المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب- الكويت. العدد (64). إبريل 1983م ، ص19-20
[10] - الحاجات الأساسية وتوفيرها في الدولة الإسلامية، عابدين أحمد سلامة، مرجع سابق، ص57.
[11] - فخ العولمة، هانس - بيترمارتن-هارالد شومان، ترجمة: عدنان عباس علي، سلسلة عالم المعرفة، إصدار المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب- الكويت، أكتوبر1998م، العدد 238، ص10.
[12] - نفس المرجع السابق، ص10.
[13] - مفهوم الحاجات في الإسلام، مرجع سابق، ص13.
[14] - انظر: الحاجات الأساسية في الاقتصاد الإسلامي، صالح الصالحي، مرجع سابق، ص210-211، بتصرف.