نشأة المدرسة المالكية بالمغرب والأندلس

نشأة المدرسة المالكية بالمغرب والأندلس

لا يتأتى فهم انتشار المذهب المالكي بالمغرب والأندلس، بمعزل عن صلة الأعلام المالكيين ذه المنطقة
بنظرائهم من أقطاب المذهب في المشرق الإسلامي، حيث قام هؤلاء بدور طلائعي في تثبيت دعائم مدرسة مالكية
متميزة، من خلال تكوين مجموعة من الأطر المالكية المغربية والأندلسية، وترويج مؤلفام التي أصبحت حجر
الزواية في المناهج الدراسية بالمغرب الإسلامي، وكذلك من خلال أحكامهم وفتاواهم التي صار يحذو حذوها
القضاة المغاربة.
ولعل أبرز نموذج يعكس هذا الدور الهام الذي اضطلع به العلماء المالكيون المشارقة في التمكين للمذهب
المالكي بالمغرب والأندلس، يتمثل في القاضي عبد الوهاب البغدادي الذي بلغت المدرسة المالكية المغربية في عهده
ذروا، مما يؤكد الصلة الوثيقة بين هذه الشخصية والنمو الذاتي للمذهب المالكي في الجناح الغربي من العالم
الإسلامي.
وبناء على ذلك: فإن هذا البحث سيسعى في محور أول إلى تتبع المذهب المالكي بالمغرب منذ نشأته في القرن
الثاني الهجري، والعوامل التي ساعدت على تكوين مدرسة مالكية سرعان ما عرفت إشعاعا كبيرا خلال القرن
الخامس الهجري، بفضل القاضي عبد الوهاب البغدادي وغيره من علماء المشرق، وهو ما يحتم في المحور الثاني -من
الدراسة- البحثَ عن صلة هذا القاضي بأعلام المذهب المالكي بالمغرب، من خلال ما ورد في كتب الفهارس
والمشيخات، وكتب الطبقات والتراجم المغربية والأندلسية التي سردت جزءًا من سيرته الذاتية، أو عرضت لمؤلفاته،
فضلاً عن مصنفات النوازل التي جعل مؤلفوها المغاربة والأندلسيون من أحكامه وفتاواه مرجعيتهم الأساسية.
أولاً: عوامل نشأة المدرسة المالكية في المغرب والأندلس:
١ – عامل البيئة:
( يمكن تفسير نشأة المدرسة المالكية بالمغرب بعوامل بيئية وحضارية يأتي في مقدمتها تفسير ابن خلدون ( ١
الذي عزا فيه أخذ المغاربة بالمذهب المالكي إلى البداوة الغالبة عليهم، وملاءمة ظروفهم لبيئة الحجاز البدوية. كما
ذكر في موضع آخر أن أهل المغرب بعيدون عن الصنائع؛ ولذلك فإن منتهى رحلتهم كانت الحجاز التي يسود فيها
المذهب المالكي، وليس العراق الذي كان يعج بأنواع الصناعات وأصناف التجارات، فضلاً عن كونه موئ لاً
.( لمختلف المذاهب( ١
من ناحية أخرى فسر ابن خلدون انتشار المذهب المالكي في المغرب بطبيعة العقلية المغربية، فكان أول
مؤرخ اجتماعي فطن إلى كون المذهب المالكي أكثر المذاهب ملاءمة لعقلية المغاربة لسهولته وبساطته، وميلهم
.( الفطري إلى البساطة في كل شيء( ٢
فالمذهب المالكي لا يعول على استخدام الرأي أو الجدل بقدر ما يعتمد على النص والنقل، وعلى الأثر
والرواية، ومن ثم فهو مذهب ملائم لطبيعة المغاربة، لأنه عملي أكثر منه نظري، ويستند على الواقع، ويأخذ
بالعرف والعادة، وأهل المغرب عموما متمسكون بالسنة والجماعة وتجنب البدع كما يؤكد ذلك أبو بكر بن
العربي( ٣)، ناهيك عن كوم سئموا الصراعات المذهبية التي جرت دون طائل، وهو ما يفسر قول الناصري( ٤) "فبعد
أن طهرهم الله تعالى من نزعة الخارجية أولاً والرافضية ثانيا، وأقاموا على مذهب أهل السنة والجماعة مقلدين
.( للجمهور من السلف -رضي الله عنهم- "فأصبح شيوع المذهب المالكي عندهم عادة وفطرة لا تحتاج إلى دليل"( ٥
٢ – شخصية الإمام مالك بن أنس:
إلى جانب انتشار المذهب المالكي في المغرب والأندلس بعوامل ذاتية ترجع إلى شخصية الإمام مالك نفسه؛
بما عرف عنه من كريم السجايا والخلال الحميدة، والتعلق الشديد بالسنة والأثر( ١)، مما دفع المغاربة والأندلسيين إلى
الوفود عليه، والانقياد لمذهبه، والاقتناع أنه أولى بالاقتداء والاتباع، ويقال: إن مثل هذه الصفات حببته إلى قلوب
المغاربة وأكسبته ثقتهم عندما رجع طلابه يصفون أخلاقه وشمائله، كما أن الإمام مالكًا كان شديد الإعجاب
بالطلبة المغاربة والأندلسيين؛ لما لمسه فيهم من حسن الاستعداد والجد والحرص على الاتباع وحسن الاقتداء،
.١٠٢١ – ١) كتاب المقدمة، تحقيق عبد الواحد وافي، طبعة ١٩٥٢ ، لجنة البيان العربي، ج ٣، ص ١٠٢٠ )
. ١) نفسه، ص ١٠٨٨ )
٢) تبرز أوجه التوافق بين بساطة العقل البربري والمذهب المالكي في الرواية التالية: (قال أبو طالب المكي: كان مالك أبعد الناس من مذاهب المتكلمين، وأشدهم )
بغضا للعراقيين، وألزمهم لسنة السالفين من الصحابة والتابعين، قال سفيان بن عيينة: سأل رجل مالكًا فقال: الرحمن على العرش استوى، كيف استوى يا أبا عبد
الله؟ فسكت مالك مليا حتى علاه الرحضاء، وما رأينا مالكًا وجد من شيء وجده من مقالته وجعل الناس ينظرون ما يأمر به ثم سري عنه فقال: الاستواء منه
معلوم والكيف غير معقول والسؤال عن هذا بدعة، والإيمان به واجب وإني لأظنك ضالاً، أخرجوه). انظر عياض، ترتيب المدارك، تحقيق عبد القادر الصحراوي،
.٤٠ – طبعة فضالة – المحمدية (د. ت) ج ٢ ص ٣٩
. ٣) ترتيب الرحلة عن: عصمت دندش عبد اللطيف في مقالها: (دراسة حول رسائل ابن العربي)، مجلة المناهل، عدد ٩، سنة ١٩٧٧ ، ص ١٨٧ )
. ٤) الاستقصا في أخبار دول المغرب الأقصى، طبعة البيضاء ١٩٥٤ ، دار الكتاب، ج ١، ص ١٠٤ )
. ٥) المعيار المعرب الونشريسي، نشر وزارة الأوقاف المغربية، بيروت ١٩٨١ ، دار الغرب الإسلامي، ج ٢، ص ١٦٩ )
.٣٠ – ١) محاضرات في تاريخ المذهب المالكي في الغرب الإسلامي، عمر الجيدي، طبعة البيضاء ١٩٨٧ ، مطبعة النجاح الجديدة، ص ٢٩ )
فخصهم بمكانة متميزة حتى إنه كان يتتبع أخبارهم ويكتب لبعضهم، ولما توفي اتجه هؤلاء إلى تلامذته من أمثال ابن
القاسم وأشهب وابن وهب... وغيرهم، فأخذوا عنهم ما فام، وتمخض عن هذا الاتصال انتقال المذهب المالكي
.( إلى المغرب( ٢
وفي نفس المنحى ثمة من الدارسين( ٣) من فسر أسباب تمسك المغاربة بالمذهب المالكي ونفورهم من المذاهب
الأخرى -بكون أئمة المذاهب الأخرى تتلمذوا على يد الإمام مالك ثم خرجوا عنه، فعن سبب عزوفهم عن
المذهب الشافعي يذكر المقدسي( ٤) ما يلي: "رأيت أصحاب مالك يبغضون الشافعي قالوا أخذ عن مالك ثم خالفه"،
أما عن سبب نفورهم من مذهب الإمام أحمد بن حنبل، فلأنه أخذ بالخبر الضعيف وفضله على القياس حتى إن
.( كثيرا من الفقهاء، لم يعدوا أحمد بن حنبل من الفقهاء، وإنما صنفوه في طبقات المحدثين( ٥
وبالمثل: فإن الفقهاء المالكيين الذين تتلمذوا مباشرة أو بصفة غير مباشرة على يد الإمام مالك أعطو ا
النموذج الأخلاقي في الجهاد والتضحية، مما جعل أهل المغرب والأندلس يعجبون م، وحسبنا أن هؤلاء كانوا
يسمعون بالفقهاء المالكيين في إفريقية، والمحن التي اصطلوا بنارها على يد العبيديين، ومع ذلك وصلوا إلى درجة
الاستشهاد، مما جعل مكانتهم تسمو في أعينهم، فصاروا يميلون إليهم( ١)، هذا فضلاً عن نضالية المذهب وشعبيته
.( والتحامه بقضايا الأمة الإسلامية( ٢
٣ – الرصيد التاريخي:
بدأ المذهب المالكي في التسرب مبكرا إلى الأندلس في عصر الدولة الأموية بالأندلس، وبالذات في عهد
هشام بن عبد الرحمن بن معاوية، وهو ما جعل بعض الباحثين يفسرون ذلك برغبة أمويي الأندلس في الاستقلال
.( عن الخلافة العباسية( ٣)، وعن الدولة الفاطمية التي تبنت المذهب الشيعي( ٤
وفي هذا السياق أجمع كل من ابن حزم والقاضي عياض على أن الأمير المذكور لعب دورا أساسي ا في إلزام
.( الناس بمذهب مالك عندما صير القضاء والفتوى عليه (فالتزم الناس ا من يومئذ هذا المذهب وحموه بالسيف)( ٥
أما في المغرب فيمكن الرجوع بالرصيد التاريخي الذي ساعد في تكوين مدرسة مالكية في المغرب والأندلس
إلى عصر الدولة الإدريسية الذي بدأ منذ سنة ١٧٢ ه، فعلى الرغم من اعتناق الأمير إدريس الأول المذهب
٢) نفس المرجع والصفحة. )
٣) (البيئة وأثرها في صياغة مذهبنا المالكي)، محمد العمراني، مجلة دعوة الحق، عدد ٢٤٥ ، فبراير ١٩٨٥ ، ص. )
. طبعة ليدن ١٩٠٦ ، ص ٤٢ ،Degoge ٤) أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم نشرن )
.( ٨٦ طبعة فضالة – المحمدية ١٩٨٣ (ط ٢ / ٥) المدارك، عياض، تحقيق محمد بن تاويت الطنيجي، ١ )
. ١) الأثر السياسي والحضاري للمالكية في شمال إفريقية حتى قيام دولة المرابطين، محمد داود أبو العزم، طبعة مكة ١٤٠٥ ه، ١٩٨٥ م، ص ٣٢١ )
GIRAI “Les Almoravides: Etat, doctrine, oeuvre” In: Dirassat Ifriquiyya n2, 1986, p28. (٢)
. ٣) (الحضارة الإسلامية بالأندلس) أحمد مكي، مجلة البيئة، مارس – دجنبر ١٩٧٠ ، ص ١٩١ )
.٢٩٩ – ٤) تكوين العقل العربي، الجابري، بيروت ١٩٨٤ ، ص ٢٩٨ )
٢٧ ، نفح الطيب للمقري، – ٥) المدارك، ج ١ ص ٢٦ )
الشيعي الزيدي، لم يحاول فَرضه على أهل المغرب الذين أخذوا بالمذهب المالكي منذ أن تتلمذ بعضهم علي
يد الإمام مالك بن أنس، وفضل-بدلاً من ذلك- التعاون مع فقهاء المالكية في القضاء على المذاهب
.( الخارجية، وفي مقدمتها برغواطه( ١
وسار ابنه إدريس الثاني على نفس النهج، فلم يدخل معركة خاسرة مع فقهاء المالكية، بل يبدو أنه
كان متعاطفًا معهم، وحسبنا أن مجموعة من الفقهاء المالكين وفدوا في عهده من الأندلس بعد وقعه الريض
.( سنة ٢٠٢ ه، سعى إلى استقطام جميعا( ٢
وفي هذه الحقبة أيضا تم إدخال كتاب الموطأ إلى المغرب ، فكان لذلك أثره في تعميم المذهب المالكي
وذيوعه في أوساط المغاربة ، فما كاد القرن الرابع الهجري يشرف على البداية حتى كانت أصول المذهب
.( وفروعه قد تجذّرت في مرافق الحياة العامة( ٣
ونميل إلى تفسير موقف الأدارسة المرن من المذهب المالكي بكونه جاء –كذلك- نتيجة لموقف الإمام
مالك من ثورة محمد النفس الزكية، ووقوفه إلى جانبة ضد العباسيين، ما دفع الأدارسة إلى التعاطف مع
.( مذهبه( ٤
من جهتها لعبت إمارة نكور بشمال المغرب دورا بارزا في الحفاظ على المذهب ورعايته( ٥) ، إذ ظل
.( بنو صالح الحميريين يؤدون رسالتهم فى نشره إلى أن قضى على دولتهم موسى بن أبي العافية( ٦
ورغم أن الدويلات الزناتية التي حكمت المغرب خلال القرن الرابع الهجري وقفت بجانب الفاطميين
لفترات قصيرة فإا والت الخلافة الأندلسية السنية( ٧) ونعلم أن القبائل الزناتية قامت جرة مكثفة من المغرب
الأوسط نحو المغرب الأقصى خلال نفس الفترة، وهو عامل ساعد على تدعيم المذهب المالكي، وترسيخ
ركائزه.
١٧١ - ١) الأثر السياسي والحضاري للمالكية، ص ١٧٠ )
- ٢) البيان المغرب، ابن عذاري، تحقيق س. كولان ول. برفنسال، دار الثقافة بيروت ١٩٨٠ ، ج ٢و ص ٧٧ )
٣) عمر الجيدى، م.س، ص ١٧٦٠ )
٤) (أسباب انتشار المذهب المالكي واستمراره في المغرب )، عباس الحراري، بحث نشر ضمن أعمال ندوة الإمام مالك، طبعة فاس ١٩٨٠ ،ج ١،ص ١٨٠ )
. ٥) المغرب في ذكر بلاد أفريقية والمغرب البكري، نشره دي سيلان طبعة الجزائر ١٩١١ ،ص ٩٢ )
. ٦) محمد دواد أبو العزم م.س.، ص ٢٤٦ )
٧) تاريخ المؤسسات والوقائع الاجتماعية بالمغرب ، أكنوش، طبعة البيضاء (د.ت)، مؤسسة أفريقية والشرق ص ٦٣ )
كما أن هجرة علماء أفريقية إلى المغرب بعد الخراب الذي حلَّ بالقيروان خلال القرن الخامس الهجري إثر
الغزو الهلالي، ساهم بدوره في ميلاد مدرسة مالكية بالمغرب والأندلس.
٤- دور المشرق الإسلامي:
لم يكن انتصار المذهب السني في الشرق الإسلامي وليد الصدفة، بقدر ما جاء نتيجة حتمية للصراع
الذي خاضه ضد التيار الشيعي، وقد وصل هذا الصراع أحيانا إلى حد استعمال القوة والعنف ، وت ب ادل
الطرفان النصر والهزيمة( ١)، غير أن القوة السنية بزعامة السلاجقة عولت على أسلوب آخر في مقاومة التيار
الشيعي، يتجلي في إنشاء المدارس النظامية، فمن أجل تكسير شوكة الشيعة، وإفشال مخططام السياسية ،
أدرك الوزير السلجوقي نظام الملك أن تأسيس المدارس يعد خير وسيلة لتحقيق هذا الهدف، فضلاً عما يرجى
من ورائها من إحياء للثقافة السنية( ٢) ومن ثم اعتبرت المدرسة النظامية أول مدرسة بنيت لتحقيق هذا
. ( المشروع( ٣
والحق أن هذه المدارس خلّفت نتائج طيبة؛ إذ مكّنت من تخريج الأكفاء من الموظفين والدعاة،
وأسفرت بالتالي عن انتصار ساحق للمذهب السني، ممثلاً في المدرسة الأشعرية التي دعمها الإمام الغزالي
. ( بالمنطق والآراء الفلسفية فضلاً عن التصوف( ٤
وامتد تأثير هذا الانتصار إلى مصر التي ظهر ا أعلام المذهب، رغم بطش الحكم
( الفاطمي( ١). وتقوم شهادة القاضي عياض دليلاً على ذلك( ٢
في غمرة هذا المد السني بات بديهيَا أن يصل تأثيرة إلى المغرب والأندلس بفضل التجارة التي
شكلت عاملاً مهما في تسرب المذهب المالكي نحو هذه المنطقة، فإلقاء نظرة على المدن المغربية التي
برز فيها أعلام المذهب وفي سجلماسة وفاس وأغمات وسبته -يتبين أا كانت على صلة تجارية
.٤٢٧-٤٢٥-٤٢٢-٤١٩- ١) انظر: تاريخ الخلفاء السيوطي، محيي الدين عبد الحميد، بغداد ، ١٩٨٧ (ط ٣) ، ص ٤١٨ )
. ٢) تاريخ الجامعات الإسلامية الكبرى، محمد غنيمة ، تطوان ١٩٥٣ ،ص ٥ )
٣) وفيات الأعيان، ابن خلكان، تحقيق إحسان ، طبعة بيروت (د.ت)، دار صادر ، ج ٤، ص ٢١٧ - السيوطى، م.س،ص ٤٢٠ – الشيال أعلام الإسكندرية ، )
طبعة مصر ١٩٦٥ ، ص ٦٠
٤) التاريخ السياسي والفكري للمذهب السني في المشرق الإسلامي من القرن الخامس الهجري حتى سقوط بغداد، عبد ايد بدوى، القاهرة ١٤٠٨ ه- )
. ١٩٨٨ م، دار الوفاء للطباعة والنشر، ص ١١٦
١)الديباج المذهب، ابن فرحون طبعة الفحامين بمصر ١٣٥١ ه ص ٢٧٦ ، وفيه يشير إلي أن الفاطميين طردوا أبا بكر الطرطوشي المالكي من الإسكندرية. )
٢٦ - ٢) المدارك، ج ١، ص ٢٥ )
وثيقة مع القيروان، وكانت ترتبط معها بطرق تجارية، لم ينقطع ورود سلعها حتى أثناء فترات
. ( الصراعات السياسية( ٣
وهذا ما يفسر بقاء تلمسان -إحدى محطات الطرق التجارية- (دار العلماء والمحدثين وحملة
.( الرأي على مذهب مالك بن أنس -رحمه الله-)( ٤
بيد أن أهم تجليات تأثير المشرق الإسلامي في ميلاد مدرسة مالكية بالمغرب يتجلّ ى في الر حلات
العلمية التي كان يقوم ا علماء المغرب والأندلس نحو المدارس النظامية في بغداد؛ ففي غمرة هذا
الانتصار السني، شد العلماء المغاربة والأندلسيون الرحال إلى العراق، نذكر من بينهم أبو علي
الصدفيّ( ٥) . وأبو بكر الطرطوشي( ٦) . وأبو بكر بن العربي( ٧). وغيرهم من العلماء الذين وجدوا
المدارس النظامية في أوج إشعاعها، فعادوا لنشر المذهب السني المالكي في أقطارهم بالمغرب
والأندلس.
٥- دور الفقهاء المالكيين المغاربة والأندلسيين:
لعب الفقهاء المالكيون والأندلسيون الذين رحلوا إلى العراق دورا بارزا في تثبيت دعائم
المذهب المالكي ببلدام ، نذكر من بينهم دارس بن إسماعيل الذي كان حافظًا للرأي على مذهب
مالك( ١) وقيل إنه أول من أدخل مدونة سحنون إلى فاس، وبه اشتهر الإمام مالك( ٢). وأبا محمد
عبدالله بن إبراهيم الأصيلي الذي كان من حفّاظ مذهب مالك، وأبا عمران الفاسي تلميذ أبي بكر
الباقلاني الذي درس في العراق على يد كبار شيوخ المالكية، ثم عاد إلى فاس بعد أن رسخ قدمه في
المذهب المالكي، حتى إن أستاذه شبه علمه بعلم مالك( ٣)، وعنه أخذ الطلبة من أقطار الم غرب
الإسلامي، لعل أهمهم وجاج بن زلو اللمطي الذي قام بعمل هام كان له الأثر الواضح في ذيوع
المذهب المالكي بالمغرب، ويتجلي ذلك في بنائه مدرسة عرفت (بدار المرابطين)( ٤) ، وخصصت لتلقين
٢١٧ ، ص ٤٩ - ٣) المذهب المالكي في عهد المرابطين والموحدين، رضوان مبارك، رسالة جامعية بكلية الآداب بالرباط، رقم ج ٢ )
٤) البكرى، م.س،ص ٧٧ )
٥) كتاب في تراجم الأولياء، مؤلف مجهول ، (مخ) خ.غ.و.م..ر رقم ج ١٢٧١ ، ص ٢٠١ )
٦) الشيال ،م، س،ص، ٦٠ )
٧) انظر ما ورد عن رحلته مع والده إلى الخليفة العباسي المستظهر بالله ولقائه مع أستاذه الإمام الغزالي في: ترتيب الرحلة في الترغيب للملة (مسخ) خ. ع.و.م.ر، )
. رقم ك ١٢٧٥
. ١) تاريخ علماء الأندلس ، ابن الفرضي ، طبعة ١٩٦٦ ،ج ١ص ١٤٦ )
. ٢) جذوة الاقتباس ، ابن القاضي، الرباط ١٩٧٣ ، دار المنصور للطباعة الوراقة ، ج ١، ص ١٩٤ )
. ٣) عياض،م.س،ج ٧، تحقيق سعيد أعراب، ص ٢٤٦ )
٤) نفسه، ج ٨،ص ٨١ )
مبادئ المذهب المالكي ومقاومة المذاهب الأخرى( ٥)، ومنها تخرج الداعية المالكي الكبير عبد الله بن
ياسين الجزولى.
وبعد الدور التمهيدى الذي قام به هؤلاء العلماء في ترسيخ الم ذهب المالكى بالمغرب
والأندلس ، جاء دور علماء القرن الخامس الهجرى، ولا غرو فإن كبار أعلام المالكية ظهروا في هذه
الحقبة المتزامنة مع حقبة السلاجقة كالقاضي عياض الذي وصفة أحد المؤرخين بأنه (أحد عظماء
المالكية)( ٦)، وأبو الوليد بن رشيد الذي كان رأس المالكية بالأندلس ، معروفً ا بفتاويه وحلّ ه
الإشكاليات المستعصية عن طريق قواعد التشريع المالكي فضلاً عن الفقيهين الشهيرين أبي بكر العربي،
والتميمي اللذين لم يتقدمهما أحد بعد وفاة ابن رشد( ١)، ثم عبد الله بن أبى جعفر المرسي الذي
.( (انتهت إليه رئاسة المالكية)( ٢
صبت جهود هؤلاء الفقهاء في ترسيخ المذهب المالكي عبر قناتين: التدريس والتأليف،
فتدريس الفقهه المالكي كان يعد أهم وسيلة لتثبيت دعائمة، لذلك جند الفقهاء أنفسهم لبلوغ هذه
الغاية، وفي هذا الصدد ورد في ترجمة محمد بن سعيد بن مجاهد الأنصاري أنه: (أنفق عمره في إسماع
( الحديث وتدريس المذهب المالكي)( ٣
وأحيانا جمع الفقهاء بين منصبى القضاء والتدريس( ٤)، وظلت المدونة أهم الكتب التي تم إلزام
الطلبة بدراستها حتى إا اقترنت أحيانا بتراجم بعض الأعلام، من ذلك ما جاء في سيرة محمد بن عبد
الله الخشنى (ت ٥٤٠ ه) الذي كان (مبرزا في تدريسة قائما على المدونة)( ٥)، وكان الموطأ الذي
وضع ابن رشد شروطًا لتدريسه( ٦) ، وبلغ درجة قصوى من الأهمية حتى إن القاضي عياض أورد على
. ( لسان ابن مهدى: ( لا أعلم من علم الناس بعد القرآن أصح من موطأ مالك)( ٧
Cuoq,Lhistoire I islamisation de IQuest, Paris,Paui Guenthner P35 (٥)
٦) النجوم الزاهرة، ابن تغري بردي ، نشر المؤسسة المصرية للتاليف والترجمة، ج ٥،ص ٢٨٥ )
. ١) ابن فرحون ، م.س،ص ٤١ )
٢) تذكرة الحفّاظ ، الذهبي ، طبعة حيدر آباد والدكن، ١٣٣٤ ه(ط ٢) ، دائرة المعارف النظامية ، ج ٤،ص ٦٩ )
. ٣) الذيل والتكملة ، ابن عبد الملك، تحقيق إحسان عباس، طبعة بيروت ١٩٧٣ ، ج ٦ ص ٢٠٤ )
. ٤) التكملة لكتاب الصلة، ابن الأبار ، طبعة الجزائر ١٩١١ ، ج ١ ص ٤٩٣ )
-٧٥٤-٥٦١-٤٨٥-٤٨٢- ٤٢٠ ثم ج ٢ ص ٤٦٩ -٢٧٤ - ٥) نفسه ص ٤٤٧ ، ولدينا تراجم كثيرة حول أهمية تدريس الموطأ، انظر نفس المصدر ج ١،ص ١٥٠ )
.٨٢٧-٨٢٦
٦) مما ورد في إحدى فتاواه: (الجواب عليه لا يصح لمن لم يعن بالعلم ولا سمعه ورواه أن يجلس لتعليمه في الموطأ ولا غيره، وإن قرأها وتفقّه إذا صحح كتابه على )
. رواية شيخه فيها وبالله التوفيق). انظر نوازل ابن رشيد، (مخ)خ.ع.و.م.ر، رقم ك ٧٣١ ،ص ٣٥٥
٧) المدارك، ج ٢،ص ٧٠ وفيها ورد ببت للقاضي عياض: )
إذا ذكرت كتب العلوم فخيرها كتاب الموطا من تصانيف مالك
. انظر نفس المصدر ص ٧٨
ومن أجل تدعيم المذهب المالكي لم يبخل الفقهاء بأدنى جهد في تأليف الكتب التي تروج له،
وحسبنا ما خلّفه عياض من مصنفات كثيرة على رأسها كتاب (ترتيب المدارك وتقريب المسالك
لمعرفة أعلام مذهب مالك) و(تفسير غريب الموطأ والبخاري ومسلم) و(ضبط الألفاظ) الذي وصفه
.( بأنه (لو كتب بالذهب ووزن بالجوهر لكان قليلاً في حقه)( ١
أما الفقيه أبو بكر بن العربي فقد استبسل في مقاومة التيارات غير السنية في كتابه الموسوم
ب (الرد على من خالف أهل السنة من ذوى البدع والإلحاد)( ٢) ، علاوة على كتاب (العواصم من
، ( القواصم) الذي هاجم فيه التشيع في مسالة الخلافة( ٣) ، والفكر الاعتزاليّ في مسألة خلق القرآن ( ٤
وفي نفس المنحى اضطر أبو الوليد بن رشد إلى طلب الإعفاء من منصب القضاء حتى يتفرع لتأليف
.( كتابة (البيان والتحصيل)( ٥
وهناك فيض من النصوص حول المصنفات التي ألفت خصيصا للذب عن المذهب المالكي
ومقاومة المذاهب الأخرى( ٦) ، فعبد الله بن طلحة (ت ٥٤٠ ه) صنف كتابا في الرد على ابن حزم
الظاهري( ٧) ، بينما ألف عبد الله بن أيوب الأنصاري ( ٥٦٢ ه) كتابا أسماه (المنوطة على مذهب
مالك بن أنس) في ثمانية أسفار( ٨) ، في حين صنف علي بن أحمد بن محمد الغساني كتابا في شرح
الموطأ سماه (ج السالك في الفقه على مذهب مالك) في عشر مجلدات( ١) ، ويذكر ابن الزبير ( ٢) أن
القاضي ابن الرمانه ألف كتاب (تسهيل المطلب في تحصيل المذهب).
ولا يخامرنا شك في أن هذه المؤلفات لعبت دورا دعائيا كبيرا لتأسيس مدرسة المالكية وتعزيز
مكانتها، ونسوق -كمثال على ذلك- ما جاء في كتاب القاضي عياض( ٣) الآنف الذكر : (وقد
١) شجرة النور الزكية، محمد مخلوف ، بيروت ١٩٤٩ ، نشر دار الكتاب العربي، ص ١٤١ ، انظر أسماء المصنفات الأخرى التي ألفها عياض في نفس الترجمة. )
. ٢) أزهار الرياض، المقري، تحقيق مصطفي السقا وآخرون ، فضالة – المحمدية ١٩٨٠ ، ج ٣، ص ٩٥ ، انظر المصنفات الأخرى في نفح الطيب ،ج ٢،ص ٣٦ )
-١٨٥-١٨٣- ٣) العواصم من القواصم : نشره محب الدين الخطيب ، طبعه الرياض ١٩٨٤ ، كما نشره أيضا عمار الطالبى في جزأين . انظر صفحات ١٨١ )
.١٧٢-١٩٨-١٩٧
. ٤) نفسه ص ٢٥١ )
٥) الأعلام البشرية الحضارية ، عبدالعزيز بن عبد الله ، طبعة المحمدية، فضالة ١٩٧٥ ، ج ١، ص ٦٠١ )
، ٦) يذكر ابن الزبير أن عبد الرحيم بن عمر الحضرمي (ت ٥٨٠ ه) ألف كتابا في المذهب، انظر صلة الصلة، نشره ل. بروفنسال، الرباط ١٩٣٨ ،ص ٥٤٣ )
ويتضمن كتاب الغنية للقاضي عياض كثيرا من أسماء المؤلفات التي ألّفت لهذا الغرض.
. ٧) التكملة ، ابن الأبار ، ج ٢،ص ٨١٦ )
٨) ابن عبد الملك، م.س، ج ٤، ص ١٤٨ )
. ١) ابن فرحون ،م.س،،ص ٢١١ - ابن الأبار ،م.س،ج ٢،ص ٨١٦ )
. ٢) صلة الصلة ، ص ٥٠٢ )
. ٣) المدارك ،ج ١، ص ٢٢ )
نظرنا طويلاً في أخبار الفقهاء وقرأنا ما صنف من أخبارهم إلى يومنا هذا، فلم نر مذهبا من المذاهب
غيره ألم منه ... فالاستمساك به نجاة).
أما أبو بكر بن العربي( ٤) فبعد انتقاء كل المذاهب وجه دعوته إلى الجمهور: (فلا تبالوا بم ا
رووا، ولا تقبلوا رواية إلا عن أئمة الحديث ولا تسمعوا للمؤرخ كلاما إلا الطبري، وغير ذلك هو
الموت الأحمر والداء الأكبر) ، بينما دعا ابن رشد في إحدى فتاواه إلى عدم الأخذ بشهادة أهل
الظاهر( ٥) ، محتجا على بطلان شهادم بإبطال القياس ، كما هاجم الفقية ابن الحاج بدوره المعتزله،
، ( واستنزل عليهم اللعنات في فتوى أصدرها ضدهم متهما إياهم بالرأي الفاسد والمعتقَد الباطل( ٦
. ( ونعت كل فكرة غير سنية بالزندقة( ٧
وعلى نفس النهج عقد القاضي عياض بابا من مؤلفه (ترتيب المدارك) رجح فيه مذهب
مالك على كافة المذاهب الأخرى، فخلص إلى القول: (اعلموا -وفقكم الله- أن ترجيح مذهب
مالك على غيره ، وإنافة منزلته في العلم، وسمو قدره على طريق النقل والأثر لا ينكره إلا معاند أو
. ( قاصر)( ١
يتضح مما تقدم أن الفقهاء المغاربة والأندلسيين لعبوا دورا أساسيا في الترويج للمذهب
المالكي عن طريق التدريس والتأليف مما ساهم في بناء مدرسة مالكية بالمغرب والأندلس.
٦- دور الدولة المغربية في إرساء المدرسة المالكية:
وإذا كانت العوامل التي أتينا على ذكرها ساهمت بنسب متفاوتة في بناء مدرسة مالكية
بالمغرب والأندلس ، فيجب ألا نغفل دور الدولة المغربية في هذا الصدد ، خاصة دولة المرابطين التي
حكمت من منتصف القرن الخامس الهجرى حتى منتصف القرن الذي يليه، فالوحدة المذهبية تخدم
، ( الاستقرار والأمن؛ لذلك سعى المرابطون إلى جعل المذهب المالكي (محور حركتهم الإصلاحية)( ٢
واستماتوا في استئصال شأفة المذاهب الأخرى ولم يتورعوا عن استخدام القوة أحيانا، وبذلك أصبح
. ٤) العواصم من القواصم، ص ٢٤٨ )
٥) نوازل ابن رشد ، ص ٢٠٤ )
. ٦) نفسه ص ٣١٠ )
٧) انظر نازلة حول زندقة ابن البرجى في نفس المصدر ، ص ٣٠٤ ومما ورد فيها (.. وشهادة كلمة غامضة وقد انفردت مع شهادة من شهد أنه سمعه ينشد )
القصيدة المتضمنة ذم أهل السنة ، فالذي يوجبه الحكم عليه أن يضرب خمسمائه سوطا ضربا شديدا مبرحا ويطاف به في الناس.. ثم يسجن عاما ثانيا.. )
. ١) المدارك ، ج ١ ،ص ٦٨ )
. ٢) وحدة المغرب المذهبية خلال التاريخ ، الجراري، البيضاء ١٩٧٦ ،ص ١٧ )
المذهب المالكي مرتبطًا أشد الارتباط بدولة المرابطين، حيث تجسد دورها في إسناد منصب القضاء
للفقهاء المالكيين دون غيرهم (فلم يكن يقرب من أمير المسلمين ويحظى عنده إلا من علم الفروع -
أعني فروع مذهب مالك-)( ٣) ، وإلقاء نظرة على أسماء القضاة الذين ُأسندت إليهم وظيفة القضاء
كفي ٌ ل بتدعيم هذا الرأي، ففي ترجمة عبد الله بن محمد بن عيسي التادلي ، يذكر ابن الأبار( ٤) أن أباه
(كان من حفّاظ المذهب المالكي، ومن المشاورين بفاس) وأسماء القضاة أو الذين تولوا خطة الشورى
. ( تقترن تراجمهم بتبحرهم في المذهب المالكي( ٥
وعلاوة على إسناد مناصب للفقهاء المالكيين، ركزت الدولة تشريعها القضائي وفق المذهب
المالكي، وشددت على ضرورة الالتزام به نصا وروحا، ففي رسالة بعثها الأمير تاشفين بن علي إلى
أهل بلنسية بعد استرجاعها سنة ٤٩٥ ه ورد ما يلي: (واعلموا -رحمكم الله- أن مدار الفتيا
ومجرى الأحكام والشورى في الحضر والبدو على ما اتفق عليه أنس -رضي الله عنه- فلا عدول
لقاضٍ ولا مفت عن مذهبه، ولا يؤخذ في تحليل ولا تحريم إلا به ، ومن حاد عن رأيه بفتواه ومال من
الأئمة إلى سواه فقد ركب رأسه واتبع هواه)( ١) ولدينا من القرائن ما يثبت تدخل الدولة ومتابعت ها
.( لكل العلوم المخالفة للمذهب المالكي( ٢) الذي صار محور الدراسة في المساجد( ٣
ودعمت الدولة جهودها بنشر المذهب المالكي في السودان، فمنذ عهد الداعية المرابطي عبد
الله بن ياسين ، بدأ يتسرب إلى هذه الآفاق البعيدة، حيث تم إرسال الدعاة هناك، فأسلم بعض
ملوكها واعتنقوا المذهب وعملوا على نشره بين قبائلهم والقبائل الأخرى ااورة حتى غلبت التقاليد
( المالكية بفضل المدارس التي أنشئت هناك( ٤
يتضح مما سبق أن مجموعة من العوامل المتنوعة ساهمت في إرساء مدرسة مالكية با لمغرب
والأندلس ، فماذا عن علاقة أعلام هذه المدرسة مع القاضي عبد الوهاب البغدادي؟ وذلك ما نتناولة
في الشق الثانى من هذا البحث.
. ٣) المغرب في تلخيص أخبار المغرب ، المراكشي ، تحقيق محمد العريان ومحمد العلمي ، البيضاء ١٩٧٨ (ط ٧)، ص ٢٥٤ )
٤) التكملة ، ص ٩٢٢ )
.٥٦٨-٤٩٨-٣٠٩-٢٥٧- ٥) نفسه ، ص ١٤ )
١) (نصوص سياسية عن فترة الانتقال من المرابطين إلى الموحدين) ، حسين مؤنس ، مجلة العهد المصرى للدراسات الإسلامية/ مدريد، ١٩٥٥ ، مجلد ١ ، عدد ٣ )
١١٣ والرسالة مؤرخه في العشر الأولى من جمادى الأولى عام ٥٣٨ ه. - ، ص ١١٢
٢) كتاب التشوف، ابن الزيات ، تحقيق أحمد توفيق ، البيضاء ١٩٨٤ ، منشورات كلية الآداب بالرباط ص ٩٨ ، ويذكر أن رئيس ناحية سجلماسة مر علي أبي )
الفضل النحوي وهو يدرس أصول الفقه فقال: (أرى هذا الرجل أراد أن يدخل علينا علوما لا نعرفها فأمر بإخراجة من المسجد ) انظر نفس الرواية عند التنبكي ،
. نيل الابتهاج، بيروت (د. ت) ، دار الكتب العلملية ، ص ٣٥٠
. ١٩٧٣ م ، ص ٧٥ - ٣) (التعليم بالمغرب الأقصى في عصر المرابطين والموحدين ) ، حسن علي حسن حوليات كلية دار العلوم بالقاهرة ، العام الجامعى ١٩٧٢ )
. ٤) الإسلام والثقافة العربية في أفريقيا ، حسن أحمد محمود، طبعة ١٩٨٦ (ط ٣) ، دار الفكر العربي ص ٢٤٤ )
ثانيا: علاقة القاضي عبد الوهاب البغدادي بفقهاء المالكية بالمغرب والأندلس:
١- علاقة تقدير ومحبة متبادلة:
من الملفت للنظر أن الفقهاء المغاربة والأندلسيين كانوا يكنون تقديرا عظيما واحترام ا عميقً ا
للقاضي عبد الوهاب البغدادي، ولا غرو فقد اعتبره الفقيه المغربي الونشريسي (ت ٩١٤ ه) من بين
الأئمة اددين الذين يبعثهم الله على رأس كل مائه سنة لتجديد دينها وإصلاح أحوالها ، فعده من
هؤلاء الأئمة اددين الذين جاؤوا على رأس المائة الرابعة( ١) بينما وصفة النباهي -وهو من قضاه
الأندلس الذائعي الصيت- بعبارات تعكس هذا التقدير حيث قال: (ومن أعلم العلماء وصفوة القضاة
والرواة الشيخ الفقيه المالكي، أبو محمد عبد الوهاب بن نصر بن أحمد بن الحسين بن ها رون
.( البغدادي)( ٢
وبلغ من تبجيل علماء المغرب والأندلس لهذه الشخصية ما جعلهم أحيانا يكتفون بالاعتماد
عليه في فتاواهم دون غيره، وهو ما يبدو واضحا من خلال ما لخصة الونشريسي بقوله: (ونقله هؤلاء
.( الأشياخ الأجلّة -يقصد فقهاء المغرب- عن عبد الوهاب فقط)( ٣
ولا يساورنا الشك في أن المكانة العلمية التي اكتسبها القاضي عبد الوهاب كانت وراء هذا
التقدير الذي كان يكنه له علماء المغرب الإسلامي، ولم يكن هذا التقدير من جانب واحد، بل إن
القاضي المذكور كان بدوره يبدى إعجابا بتلامذته المغاربة والأندلسيين، ويكن المحبة لأهل المغرب
والأندلس، حتى إنه بعد رحيلة عن بغداد واستقراره في مصر، كان قد عقد العزم على القدوم إلى
المغرب، لولا أنه زهد فيه عندما وصفت له أوضاعه، وفضل بدلاً من ذلك الأندلس التي كان يعتزم
الاستقرار فيها ائيا، ( وقد كان خاطب فقهاء القيروان ورام القدوم على الأندلس، وكتب أيضا في
.( ذلك إلى مجاهد الموفق صاحب دانية فعاجلته منيته وتوفي بمصر في شعبان سنة ٤٢٢ ه)( ١
. ١) المعيار ن ج ١٠ ، ص ٩ )
٢) المنقبة العليا فيمن يستحق القضاء والفتيا، تحقيق لجنة إحياء التراث العربي، بيروت ١٤٠٠ ه ، ١٩٨٠ ، دار الآفاق الجديدة ، ص ٤٠ )
. ٣) المعيار ، ج ١، ص ٢٠٥ )
. ١) النباهي، م.س، ص ١٤٢ )
من خلال النصوص السالفة الذكر يتضح أن علاقة القاضي عبد الوهاب البغدادي بعلماء
المغرب والأندلس كانت مبنية على التقدير والاحترام والمحبة المتبادلة، حتى إنه كان يتمنى الإقامة بين
ظهرانيهم في الأندلس لولا أن المنية لم تمنحة هذه الفرصة.
٢- تتلمذ المغاربة والأندلسيين على يد القاضي عبد الوهاب:
تتمثل الصورة الثانية من صور الصلات التي جمعت القاضي عبد الوهاب بعلماء المغرب
والأندلس في تتل مذ مجموعة منهم على يده، فثمة إشارات تشير إلى أن العلماء المغاربة والأندلسيين
شدوا الرحال إلى القاضي عبد الوهاب سواء عندما كان مقيما في بغداد أو عندما استقر في مصر،
وفي هذا الصدد ذكر النباهي( ٢) أن جماعة من أهل الأندلس من بينهم القاضي ابن شماخ الغافقي
ومهدي بن يوسف تفقهوا على يديه، بينما ذكر ابن عطية( ٣) في ترجمه الفقيه المقري أبي الحسن يحيى
بن إبراهيم بن أبي زيد المرسي، أنه رحل سنة ١٤٢١ ه إلى مصر، فالتقى هناك بالقاضي عبد
الوهاب بن نصر البغدادي، وسمع منه كتاب التلقين، والراجح أن رحلة العلماء المغاربة نحو هذا الشيخ
دليل على سمو مكانته العلمية، وقرينة على نظرة التقدير والاحترام التي كان يكنها له المغاربه، حتى
إم كانوا يتجشمون عناءها ومخاطرها في سبيل الارتواء من فيض نبعه.
٣- رواج مؤلفات القاضي عبد الوهاب بالمغرب والأندلس:
نظرا للمكانة العلمية التي كان يتبوأها القاضي عبد الوهاب، والتقدير الذي كان يكنه له أهل
المغرب والأندلس، فقد راجت معظم مؤلفاته ذه المنطقة من العالم الإسلامي، وأصبحت تشكل
حجر الزاوية في المناهج الدراسية ا.
في هذا المنحى يذكر القاضي عياض( ٤) في ترجمة شيخه ابن أبي سكرة أنه سمع منه العديد من
المصنفات، ويخص بالذكر كتاب ( تلقين المبتدئ) للقاضي عبد الوهاب، ومن جهته، يذكر ابن
عطية( ٥) في ترجمة الفقيه أبي محمد عبد الرحمن بن محمد بن عتاب الأموي صاحب الشورى بقرطبة أنه
درس على أحد المشايخ الذي أخبره بمؤلفات أبي محمد القاضي عبد الوهاب.
. ٢) نفسه، ص ٤١ )
. ٣) فهرست ابن عطية، تحقيق محمد أبو الأجفان ومحمد الزاهي، بيروت ١٩٨٠ (ط ١) دار الغرب الإسلامي، ص ٨٤ )
. ٤) كتاب الغنية، تحقيق ماهر زهير جرار، بيروت ١٤٠٢ ه - ١٩٨٢ م( ط ١)، دار الغرب الإسلامي، ص ١٣٥ )
. ٥) فهرست ابن عطية،ص ٨١ )
أما النباهي فيسرد مجموعة من مؤلفات القاضي المذكور، من بينها كتاب (التلقين) وكتاب
(شرح الرسالة والنصرة لمذهب دار الهجرة ) و (كتاب المعونة) و (أوائل الأدلة في مسائل الخلاف بين
فقهاء الملة) ، وكتاب (الإشراف على نكت مسائل الخلاف)، وكتاب (الإفادة في أصول الفقه ) ثم
كتاب (التلخيص) ... وغيرها من الكتب، مما ينم عن شهرا ورواجها في أوساط المغاربة
.( والأندلسيين حيث كانت معتمدهم في الدراسة والتلقين( ١
ومن اللافت للانتباه أن كتابات المغاربة والأندلسيين لم تقتصر على إظهار الجوانب الفقهية
المتميزة عند القاضي عبد الوهاب فحسب، بل أسهمت في إبراز الجانب الشعري في شخصيته
العلمية، فقد أورد محمد بن عياض مجموعة من الأبيات الشعرية الغزلية التي نظمها القاضي المذكور في
.( صباه( ٢
ومن جهته أبرز أبوه القاضي عياض شاعرية القاضي عبد الوهاب في الزاوية التي ذكر فيها أن
هذا الأخير دخل قرية تدعى أسعرد من بلاد الكرد بالقرب من جبل الجودي، فحل ضيفًا على علون
رئيس القرية، ووجد عنده مجموعة من الشعراء ينشدونه شعرا في كل فصل من فصول السنة، فيعرض
أشعارهم على القاضي عبد الوهاب، وفي أحد الأيام تعمدوا التقليل من فضله وقدموا الرئيس عليه
. ( ليجربوا ما إذا كان يحسن الشعر، فنظم شعرا طويلاً من البحر الكامل( ٣
وهكذا تتضح صلة القاضي عبد الوهاب بعلماء المغرب والأندلس من خلال إبراز هؤلاء
مختلف الجوانب الثقافية المكونة لشخصيتة العلمية، سواء من خلال سرد أخبار رحلة علماء المغ رب
الإسلامي إليه، أو من خلال سرد مؤلفاته وأشعاره.
٤- علماء المغرب والأندلس يكتبون سيرة القاضي عبد الوهاب البغدادي:
تتجلى الصورة الرابعة من صلة القاضي عبد الوهاب بعلماء المغرب والأندلس في اهتمام
هؤلاء بترجمة حياته والاهتمام بذكر مؤلفاته، فضلاً عن سرد جزئيات أخرى من شخصيته، وقد لا
. ٢) فهرست ابن عطية، ص ٨١ )
(٣)
يا شاعرا ألفاظه في نظمها دررا غدت وزبرجدا وزمردا
خذها فقد نسقتها لك ساهرا فيها و حق لمثلها أن يؤخذا
حتى تظل تقول من عجب ا من قال شعرا فليقله هكذا
توجد في مصادر أخرى تناولت سيرته، ولا غرو فقد أورد النباهي ترجمته بتفصيل ضمن قائمة القضاة
الذين ترجم لهم، فذكر أنه درس على يد العلامة محمد بن أبي بكر الباقلاني، وأنه تولّى القضاء بعدة
مواضع ومنها الدينور التى علا فيها كعبه وشاع في الآفاق ذكْره( ٤) ووصفه بأنه كان فقهيا متأدب ا،
وأنه خرج في آخر عمره إلى مصر، فحصل له حال من الدنيا، كما ذكر شيوخة وتلامذته.
ومن جهة أخرى أورد لنا القاضي الأندلسي في ثنايا الترجمة التي خصصها للقاضي عبد
الوهاب أسباب خروج هذا الأخير من بغداد، موضحا أنه نقل عنه كلاما قاله في الشافعي وطلب
لأجله، فخرج مضطرا عنها نحو مصر( ١) ، كما بين الفكرة التي كانت تراوده في الاستقرار بالأندلس
كما سلف الذكر( ٢)، وإذا كان يجعل سنة وفاته هي ٤٢٢ ه، فإن ابن عطية -وهو فقيه مغربي عاش
.( في الموحدين- أورد في ترجمته للقاضي المذكور أنه توفي سنة ٤٢١ ه( ٣
ويبلغ أوج اهتمام المغاربة بسيرة القاضي عبد الوهاب، من خلال ما قاموا به من تصحيح
للمعلومات التي كتبت خطأ عنه في مصنفات كتاب آخرين، وهو ما سعى إليه القاضي عياض السبتي
( ت ٥٤٤ ه) حين صحح كلام الشيرازي في كتاب التعريف الذي زعم فيه أن القاضي عبد
الوهاب رأى أبا بكر البصري، ولكنه لم يسمح منه شيئًا، في حين أن الصواب كما ورد عند القاضي
. ( عياض أنه حدث عنه إجازة( ٤
وإلى جانب النباهي وابن عطية، نجد جماعة من كتاب السيرة المغاربة والأندلسيين يترجمون
للقاضي عبد الوهاب، نذكر من بينهم محمد بن عياض بن القاضي عياض سالف الذكر الذي عرض
له في كتاب ( التعريف بالقاضي عياض)( ٥). كما ترجم له ابن بسام صاحب الذخيرة( ٦) وابن فرحون
في ( الديباج المذهب )( ٧) ، وعرض لسيرته كل من ابن الأبار في كتابه التكملة( ٨) وابن عبد الملك
في الذيل والتكملة( ٩) . وكل هذه النماذج تعكس مدى علاقة القاضي عبد الوهاب بفقهاء المغرب
والأندلس حيث ظل اسمه منحوتا في الذاكرة المغربية والأندلسية.
٤٠- ٤) النباهي، م.س، ص ٣٧ )
. ١) النباهي،ص ٤١ )
. ٢) نفسه،ص ٤٢ )
. ٣) فهرست ابن عطية، ص ٨٤ )
. ٤) النباهي، م..س،ص ٤١ )
. ٥) محمد بن عياض، م.س، ص ٦٦ )
. ١٩٧٨ ، ق ٤ ج ٢ ، ص ٥١٥ – ٦) الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة ، تحقيق إحسان عباس، بيروت ١٩٧٥ )
٧) الديباج المذهب تحقيق محمد أبو النور، نشر دار التراث بمصر، ج ٢ ، ص ٢٦ )
. ٨) التكلمة، نشر عزت العطار، طبعة القاهرة، ج ٢ ، ص ٦٧٣ )
. ٩) الذيل والتكملة، السفر الثامن، قسم الغرباء، تحقيق محمد بن شريفة، ص ١١٠ )
٥- اعتماد الفقهاء والأندلسيين على فتاوى القاضي عبد الوهاب:
شكّلت فتاوى القاضي عبد الوهاب مرجعا أساسيا لفقهاء المغرب والأندلس، حتى إن الفقيه
المغربي الونشريسي اعتمد اعتمادا كبيرا في إصدار مجموعة من الفتاوى على كتابيه المعونة
. ( والإشراف( ١٠
ومن خلال تصفّح مجموعة من النوازل والفتاوى الواردة في كتاب المعيار، يتضح اعتماد
الونشريسي وغيره من علماء المغرب والأندلس على هذا القاضي، ويمكن تلمس ذلك عبر النماذج
الآتية :
١- في مجال العبادات:
أورد الونشريسي ما ذكره ابن الماجشون في فتوى نقلها ناقل عن القاضي عبد الوهاب في
مسألة الرجل المسلم الذي يشتري ثوب ذمي، هل يستوجب ذلك غسله والصلاة به، فجاء نص
جواب الفتوى مطابقًا لما أفتى ا القاضي عبد الوهاب من أن الثوب إذا كان رقيقًا يفسده الغسل فإن
ذلك لا يستلزم غسله، ويمكن للمسلم أن يصلي به( ١١ ) ، ولعل هذه الفتوى تبرز مراعاة القاضي
المذكور ضرورة المزج بين المحافظة على أحكام الشريعة ودفع الضرر عن المسلم.
من جهة أخرى نجد فقيها مغربيا آخر هو سيدي محمد بن مرزوق يعتمد بدوره على حكم
القاضي عبد الوهاب في أن الجمع بين الصلاتين في السفر لا يختص بالمسافة الطويلة، علما بأن مجموعة
من علماء الغرب الإسلامي كانوا قد سبقوا سيدي محمد بن مرزوق في اعتماد نفس حكم القاضي
عبد الوهاب كالفقيه الباجي وابن محرز واللخمي( ١)، ولعل إجماع المشايخ المغاربة على أحكام هذا
القاضي واستقاء فتواهم منه دليل على رسوخ قدمه ومكانته في مجال الإفتاء من جهة، وحجة على
الصلات التي كانت تجمعهم ذا الشيخ البغدادي من جهة أخرى.
وفي مجال العبادات دائما طرحت في نوازل المغاربة قضايا أخرى تم الاستناد فيها على القاضي
عبد الوهاب، نذكر من بينها استناد الفقيه الونشريسي على فتواه حول عدد البيوتات التي تستلزم
إقامة صلاة الجمعة داخل ثرية معينة، فبعد أن بين حكم الإمام مالك الذي يرى أن: (الجمعة لا تجب
. ١٠ ) المعيار، ج ١، ص ٢٧١ ، ص ١٠٩ )
. ١١ ) نفسه، ص ٨٢ )
. ٢٠٥- ١) نفسه، ج ١، ص ٢٠٤ )
إلا في القرية الكبيرة المتصلة البنيان التي فيها الأسواق )، يردف إلى هذا الحكم حكم القاضي عبد
الوهاب بأن معيار وجوب إقامة الجمعة في قرية من القرى يستلزم أن يكون أهلها من العدد الذي
. ( يمكنهم الصلاة وتتقرى م القرية( ٢
٢- في مجال العلاقات مع دار الحرب:
شكلت العلاقات بين دار الإسلام ودار الحرب اهتماما في أوساط فقهاء المغرب والأندلس،
وكثيرا ما أثارت هذه العلاقات إشكاليات معقدة طرحت عليهم، فكانوا يستأنسون بفتاوى القاضي
عبد الوهاب البغدادي، من ذلك على سبيل المثال اعتماد الونشريسي عليه في مسألة الرهائن المشركين
الذين يدخلون الإسلام هل يردون إلى أصحام، وهو ما يتجلى في قول هذا الفقيه المغربي: ( فإن
رأيت في المعونة وفي الإشراف لعبد الوهاب في كتاب الجهاد -حين ذكر أخذ المسلمين رهائن من
المشركين، وأسلموا بين أيدينا أنا نردهم إليهم، ولا يجوز لنا حبسهم خلافًا لمن أبى ذلك- ما نصه :
، ( ولأنا إذا لم نردهم لم نأمن من غدرهم بالمسلمين؛ لأم إنما يتهمون ما داموا على دينهم )( ٣
وواضح من هذه الفتوى أن القاضي عبد الوهاب كان بعيد النظر، مراعيا مصلحة المسلمين فضلاً عن
روح الاحتياط والحذر من الغدر بالمسلمين أكثر من الاهتمام بأسر مجموعة من أفراد العدو، يمكن أن
يلعبوا دورا مخربا يضر بمصلحة الجماعة الإسلامية.
وفي نازلة أخرى استند الونشريسي على حكم القاضي عبد الوهاب في مسألة هامة تتعلق
بإمكانية المسلمين القيام بشن غارات على أطراف مراكز العدو الذي دخل معه السلطان المسلم في
صلح، مع بقاء بعض المناطق الساحلية في يد العدو، فكان جواب النازلة -استنادا على رأي القاضي
عبد الوهاب- إجازة الجهاد( ١) ، وهو جواب يدل على الحس المرهف الذي كان يشعر به هذا الأخير
تجاه أمته الإسلامية والترجمة الأمينة لمشاعر المسلمين تجاه العدو النصراني، ولو كان في حال صلح مع
سلطان المغرب.
٣- في مجال المعاملات الاجتماعية:
من بين المشاكل الاجتماعية التي كانت تطرح في الأسواق المغربية، مسألة البيع بالغبن، أو
البيع المضغوط الذي يكون البائع ضحيته نتيجة لإكراهات اجتماعية أو سياسية أو اقتصادية، وهي
المسألة التي تعرض لها فقهاء المغرب والأندلس، وأفردوا لها أبوابا خاصة تشمل مجموعة من الأحكام
. ٢) المعيار، ج ١، ص ٢٢٥ )
. ٣) المعيار، ج ٢، ص ١٠٩ )
. ١) نفسه، ج ٢، ص ٢٠٨ )
التي صيغت حفاظًا على مصلحته، وفي هذا الصدد شكلت كتب القاضي عبد الوهاب مرجعيات
أساسية لفقهاء المغرب، ولا غرو فقد استند عليه الونشريسي حين تعرض لمسألة البيع بالغبن، خاصة
في كتاب ( المعونة ) الذي أورد فيه قيام بعض الباعة البغداديين بالغبن المسترسل( ٢) ، وبالمثل اعتمد
عليه كذلك في مسألة خلط الزيت بالخل والعسل باللبن، حيث جوز هذا الخلط ما لم تكن نتيجته
. ( تؤدي إلى حالة السكر( ٣
وفي نفس اال -مجال المعاملات الاجتماعية- استعان الونشريسي بالقاضي عبد الوهاب في
تحريم وصل الشعر عند المرأة، ووصل الشعر معناه: أن تقطع امرأة جزءًا من شعر رأسها، وتعطيه
لامرأة ثانية، وقد برر منعه -استنادا على حكم القاضي عبد الوهاب- الذي اعتبره ضرب ا من
.( التدليس( ٤
من حصاد هذه اموعة من النوازل التي اعتمد فيها الونشريسي وغيره من فقهاء المغرب
والأندلس على القاضي عبد الوهاب، يتضح مدى الثقة التي وضعها فيه هؤلاء، كما أن التجاءهم إلى
أجوبته وأحكامه يدلّ على ما كان يتمتع به من مكانة علمية وأمانة لم تكن موضع شك لديهم،
وتعكس -في الوقت نفسه- الصلة العلمية التي كانت تربط هؤلاء بعمدة المدرسة المالكية القاضي عبد
الوهاب البغددادي.
خلاصة القول:
أن المدرسة المالكية بالمغرب والأندلس عرفت نموا تدريجيا بلغ أوجه خلال القرن الخامس
الهجري، وأن القاضي عبد الوهاب البغدادي مثّل حلقة وصل بين أعلام المذهب المالكي في المشرق
والمغرب، نتيجة تتل مذ مجموعة من أقطاب المذهب المالكي بالمغرب والأندلس على يديه، وانتشار
مؤلفاته ذه الأصقاع، واستعمالها في مجال التدريس أو كمصادر كان يستند عليها القضاة المالكيون
المغاربة والأندلسيون في إصدار أحكامهم وأجوبتهم، حتى إن فتاوى القاضي عبد الوهاب أصبحت
مرجعيات لا محيد عنها، خاصة في النوازل التي كان يستعصي حلها بسهولة.
. ٢) نفسه، ج ٥، ص ٣٧٦ )
. ٣) المعيار، ج ١١ ، ص ٨٣ )
. ٤) نفسه، ج ١١ ، ص ١٤٦ )