إشكالية الطبيعة القانونية للقرارات الملكية


إشكالية الطبيعة القانونية للقرارات الملكية

هذه القضية هي من أولى القضايا التي طرحت على القضاء للفصل فيما إذا كان الملك سلطة إدارية بالمفهوم الذي يحدده الفصل 1 من الفقرة 2 من الظهير المنظم للمجلس الأعلى ولاحقا الفصل 353 من قانون المسطرة المدنية 1974 و الفصول 8 و9 من القانون المحدث للمحاكم الإدارية 12 يوليوز 1991. وبالتالي إخضاع أعماله الإدارية لمبدأ المشروعية

ومن المعروف أن الملك قبل الحماية وخلالها وما بعدها إلى حدود صدور دستور 1962 كان يمارس سلطاته بمراسيم وعاد في ظل دستور 1970 و 1972 ليمارسها بمقتضى ظهائر وهو نفس الأسلوب المتبع في ظل أحكام دستور 1992 و 1996([47]).

وفي عهد الحماية الفرنسية حاولت المحكمة الفرنسية بالمغرب أن تميز بين الظهائر بمثابة قانون (Dahirs - lois) والتي تتضمن قواعد ذات مدى عام ومجرد واعتبرتها تشريعية وبين ظهائر بمثابة مراسيم (Dahirs - Decrets) والتي تتضمن تدابير فردية اعتبرتها إدارية.

وقد عكس هذا التأويل حكم محكمة الاستئناف بالرباط في قضية جماعة تامسكلفت ضد ماريوس كازيس Marius cases تاريخ 4 ماي 1944. وقد أكدت محكمة النقض الفرنسية على ضرورة التزام هذا التمييز واعتبرت ظهير المصادقة على عقد إبرام بين الدولة وأحد الخواص غير مشابه للقانون مما يعني أنها اعتبرته من طبيعة إدارية.

أما مجلس الدولة الفرنسية فقد قضى بعدم قبول الطعون الموجهة إلى الظهائر التي تهم أو تتعلق بالنظام الخاص للموظفين الفرنسيين بالمغرب وفضل عدم إقامة أي تمييز فيما بينها واعتبرها من طبيعة تشريعية على الرغم من كون القرارات المطعون فيها كانت ذات صبغة إدارية وهو ما قضي في قضية "سير" في 24 يونيو 1936 و"جيبتون" في 3 فبراير1937([48]).

وأهم ما يمكن قوله في هذا المجال هو أن القرارات الملكية في المجال الإداري قليلة لا سيما في الأوقات العادية إذ السلطة التنظيمية يزاولها بكيفية شاملة الوزير الأول، ولكن بخلاف ذلك تؤكد الفترة الزمنية الممتدة ما بين 1965 و 1970 أن القرارات الملكية في وقت الأزمات تتزايد لتشمل معظم الأعمال الصادرة عن جلالة الملك في المجال الإداري.

والغرفة الإدارية للمجلس الأعلى رفضت تشبيه القرارات الملكية ذات الطابع الإداري بالقرارات الإدارية العادية وتبنت مبدأ عدم إخضاعها لرقابة القضاء، وهو قضاء ثابت ومستقر منذ 18 يونيو 1960 في قضية "عبد الحميد الروندا"، وقضية "بنسودة" عبد الله 15 يوليوز 1963 حيث اعتبرت نفسها غير مختصة للفصل في القضايا المتعلقة بالطعن في ظهائر ملكية بدعوى عدم صدورها عن سلطة إدارية بالمفهوم الذي ينص عليه الفصل الأول من ظهير تأسيس المجلس الأعلى، في نفس السياق نجد الحكم الصادر عن الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى المتعلق بالشركة الفلاحية لمزرعة "عبد العزيز" بتاريخ 20 مارس 1970، يؤكد أن القرارات الملكية غير قابلة للطعن طالما أن الدستور لم يعهد إلى هيئة معينة بالنظر في الطعون المقدمة ضد هذه القرارات.

والأمر يتعلق بطلب الشركة الفلاحية عبد العزيز بإلغاء المرسوم الملكي الصادر في 11 يونيو 1986 بسبب الشطط في استعمال السلطة والموقع من طرف الوزير الأول إذ ذاك الذي يصادق على عملية ضم الأراضي الزراعية إلى بعضها وتبنت المحكمة في حكمها بيانا لأسباب رفضها تشبيه القرارات الإدارية الملكية بالأعمال الإدارية من حيث طبيعتها القانونية حيث أعلنت المسألة على النحو التالي:- أن جلالة الملك يمارس سلطاته باعتباره أميرا للمؤمنين تطبيقا لنص الفصل 19 من الدستور، لذلك فانه لا يمكن اعتبار جلالته سلطة إدارية بمفهوم نص الفصل الأول من ظهير 27 شتنبر 1957 والذي يقضي باختصاص المجلس الأعلى بالنظر في القرارات الصادرة عن الجهات الإدارية.

- وحيث أن المرسوم الملكي المطلوب إلغاؤه والصادر بناء على المرسوم الملكي بإعلان حالة الاستثناء والمضي من الوزير الأول بأمر جلالته يعد صادرا عنه....

- وحيث أن اختصاصات المجلس الأعلى بشأن طلبات الإلغاء بسبب الشطط في استعمال السلطة يقتصر على الطلبات الموجهة ضد المقررات الصادرة عن السلطات الإدارية.

- وحيث أن القضاء من وظائفه الإمامة، ومدرج في عمومها وأن للقاضي نيابة عن الإمام، والأحكام تصدر وتنفذ باسم جلالته طبقا للفصل 77 من الدستور([49]).

يستخلص مما سبق رفض المحكمة اعتبار جلالته جهة إدارية وإنكار الصفة الإدارية عن المقررات الصادرة عنه ورفض إخضاعها للرقابة الإدارية.

هذه الأحكام القضائية كانت موضوع مناقشات فقهية وقانونية تمحورت حول اتجاهين رئيسيين:

الأول يرفض موقف الغرفة الإدارية على أساس الاختلاف معه في المبدأ والمضمون، والثاني يؤكد بكيفية مطلقة قضاء الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى على أن جانبا من هذا الاتجاه وان سلم بأحكام وقرارات المجلس الأعلى فقد أبدى عدم اتفاقه حول بعض التفسيرات والتأويلات المعتد بها.

ومن المعارضين لموقف الغرفة الإدارية الأستاذ "ميشال روسي" الذي يرى بأنه عندما طبقت نظرية الإمامة التقليدية قد خالفت تأكيد الدستور على مبدأ استقلال القضاء وعند رفضها مراقبة القرارات الملكية تكون الغرفة الإدارية قد وجهت ضربة قاضية لنظام الرقابة القضائية، وتنكرت للشروط الواضحة التي تحدد ممارسة الاختصاصات في الإدارة الحديثة.

هذا في الوقت الذي تتجه الدول الليبرالية إلى التخلص من وسائل الرقابة التقليدية، لإدخال فنيات جديدة من شأنها تدعيم وضمان حقوق الأفراد وحرياتهم مع ضمان السير والحسن العادي للإدارة العمومية وانتهت إلى أن إفراغ مؤسسة المجلس الأعلى من محتواها يعطي عنها صورة مشوهة ويمنعها من الهدف الذي تتوخاه.

أما الاتجاه الثاني فهو سلم بموقف الاجتهاد القضائي المغربي ويعتبره منطقيا يتماشى وخصوصية المؤسسة الملكية في المغرب ولكنه يختلف معه في التبرير أو التعليل المعطى لاستعباد في الأعمال الملكية من إمكانية الطعن فيها.

فهناك من يبرر ذلك الاستثناء بفكرة السلطة التقديرية التي يتمتع بها الملك في اتخاذ القرارات في المجال الإداري. وبالتالي فالقضاء لا يمكن أن يتدخل لمراقبة هذه السلطة التقديرية لأنها تخرج عن حدود مراقبة الشرعية مميزا في ذلك بين المحل المراقب من قبل القاضي الإداري، وبين الأركان الأربع الذي اكتفى بصددها بإخضاعها للمراقبة الذاتية للملك وذلك باعتباره الساهر على احترام الدستور حسب الفصل 9 من الدستور.

في حين استند البعض الآخر على المبادئ العامة للقانون الإسلامي في تحليل الفقهاء المسلمين وفي مقدمتهم العلامة الشهير ابن خلدون و أبى الحسن المارودي.

بينما وجد البعض الآخر التبرير في نظرية أعمال السيادة والتي هي نظرية يعترف بها الجميع وموجودة في جميع الدول.

وعموما فمنذ إصدار دستور 1972 أسندت السلطة التنظيمية إلى الوزير الأول حيث أصبحت الطعون توجه ضد القرارات التي يتخذها الوزير الأول أثناء ممارسته لهذه السلطة([50]).