النمو الاقتصادي و الموارد الاقتصادية



يعتبر النمو الاقتصادي شرط من شروط التنمية الاقتصادية الشاملة،على أن النمو الاقتصادي هو نتاج للنشاط الاقتصادي بشكل عام ويتمثل بزيادة الناتج الإجمالي الحقيقي بنسبة تزيد عن معدل النمو السكاني إذا كان أهدافه أن يكون له اثر ايجابي على الوضع الاقتصادي للمجتمع بشكل عام ولأفراده بشكل خاص.
ابحث هذه المقدمة بشكل مفصل بتسليط الضوء بدرجة أساس على التفاعل بين الموارد الاقتصادية بكل مكوناتها،راس المال،راس المال البشري،الموارد الطبيعية.
1
يعتبر الاقتصاديون القدماء أن عناصر الإنتاج تتكون من الموارد الطبيعية والعمل وراس المال،ثم ظهرت الحاجة إلى المنظم كعنصر رابع،وهو يشير إلى العنصر البشري.
وتشمل الموارد الطبيعية الأراضي الزراعية وأراضي البناء والثروات المعدنية الكامنة في باطن الأرض،كما تشمل أيضا مصائد الأسماك والغابات ومصادر القوى الطبيعية كالماء وحتى الهواء، ويعتبر الاقتصاديون الأولون أن الموارد الطبيعية تختلف اختلافا جوهريا عن عناصر الإنتاج الأخرى،فهي هبة من الله سبحانه وتعالى،فلا دخل للإنسان في كميتها ولا يمكن زيادتها ولو في الأجل الطويل،فهي محدودة في كميتها،وأخيرا فان الأرض والصناعات التي تعتمد عليها يخضع إنتاجها لقانون تناقص الغلة.
ويعتبر العمل"في إشارة للموارد البشرية" في معناه الاقتصادي جميع المجهودات اليدوية أو العقلية التي يقوم بها الإنسان لخلق المنافع أو زيادتها،وعلى ذلك يشمل العمل بهذا المعنى أعمال المزارعين والصناع والأطباء والاخصائين وغيرهم،وبذلك تتضمن دراسة العمل كعنصر من عناصر الإنتاج موضوع السكان سواء من ناحية الكم أو من ناحية النوع واثر ذلك في حجم الإنتاج القومي.وهنا تتضح لنا طبيعة العلاقة بين النمو الاقتصادي والنمو السكاني،وكيف أن كل واحد منهما يؤثر على الأخر،ولعل هذا من ابرز المواضيع التي تولي لها التنمية الاقتصادية اهتماما خاصا،وهذا ما سوف نأتي عليه في الصفحات القادمة.
أما عنصر راس المال فهو عبارة عن جميع أنواع الثروات التي أنتجت في الماضي لا لتستهلك مباشرة وإنما لتستخدم في إنتاج ثروات أخرى،وعلى ذلك فيشمل راس المال في المعنى العام جميع الأدوات والمواد التي تستخدم في الإنتاج كالآلات والمصانع  والمواد الخام كالقطن والنفط أو أية مادة مصنوعة أو نصف مصنوعة،ويميز بين راس المال وغيره من الموارد،أن راس المال وليد الإنتاج بينما الأخرى فهي هبة أو نتيجة للتكاثر كما في الموارد البشرية.
وقد اعتاد الاقتصاديون تقسيم راس المال إلى فئات تضم كل منها مجموعة من العناصر التي يشملها تعريف راس المال بحيث تتجانس كل مجموعة إلى حد كبير،وتختلف تقسيمات راس المال باختلاف الأساس الذي ينبني عليه التقسيم،ومن أهم هذه التقسيمات تقسيم رؤوس الأموال إلى رؤوس أموال ثابتة ورؤوس أموال متداولة.
إن راس المال الثابت  ما يمكن استخدامه مرات متعددة في الإنتاج أي مالا ينتهي منفعته الاقتصادية باستخدامه مرة واحدة وابرز أمثلتها الآلات والمباني والأراضي،أما راس المال المتداول فيشمل كل ما تنتهي منفعته الاقتصادية باستخدامه في الإنتاج مرة واحدة أو مرات محدودة ومن أمثلة ذلك المواد الأولية والبذور.
أما ما يشار إليه في الدراسات الاقتصادية القديمة بالمنظم،فانه العنصر الذي يعمل على تجميع ورسم طريقة تعاون عناصر الإنتاج،لتعطي أفضل عائد متوقع،وهذا الدور للمنظم يختلف عن دور العمال،ليس فقط من حيث تخصيص كل وقته للتنظيم بل من حيث مسئوليته عن أعمال الغير وتنظيم عناصر الإنتاج ورسم طريقة تعاونها،وكلا العنصرين يمثلان ما يشار إليه اليوم بالموارد البشرية.
إن ما يهمنا من عناصر الإنتاج هو التأكيد على أن التفاعل بينها وحسن إدارتها واستثمارها يعبر عن الإنتاج الكلي وبتفاعله مع التبادل والاستهلاك الكلي يتشكل النشاط الاقتصادي للاقتصاد القومي،فالنشاط الاقتصادي يتبلور في إنتاج سلع وخدمات لإشباع حاجات أفراد المجتمع،وبالتالي لا إنتاج بلا استهلاك،ويتم ذلك من خلال عملية التبادل بين كل من القائمين على الإنتاج والقائمين على الاستهلاك.
وقد ظهرت الحاجة إلى قياس هذا النشاط عبر إيجاد أداة كمية أو قيمية أو كلاهما،وقد عبر عن هذا القياس بمفهوم الناتج القومي والذي لابد أن يساوي الدخل القومي والذي يساوي أيضا الإنفاق القومي من منظور أنها صور ثلاث لشيء واحد هو النشاط الاقتصادي.
فما هو الدخل القومي وما علاقته بالنمو الاقتصادي والتنمية الاقتصادية ؟
 2
يعتبر الناتج القومي الإجمالي من أهم المقاييس الشائعة الاستعمال في دراسة وقياس مستوى النشاط الاقتصادي والتنمية الاقتصادية،ويشير الناتج القومي الإجمالي إلى القيمة النقدية للسلع والخدمات المنتجة في المجتمع باستخدام الموارد العامة خلال فترة زمنية معينة،في العادة سنة واحدة.
وهو في الحقيقة نتاج مجموعة من القطاعات الاقتصادية في المجتمع،وعادة ما تقسم إلى القطاع العائلي وقطاع الأعمال والقطاع الحكومي والقطاع الخارجي،وتؤكد بعض الدراسات أن هنالك ثلاث تعريفات للدخل القومي كل منها ينظر له من وجهة مختلفة:
الأول:ينظر للدخل القومي من زاوية الإنتاج السلعي والخدمي ،ويسمى الناتج القومي،وهو مجموع السلع والخدمات (الاستهلاكية والرأسمالية)التي أنتجت خلال فترى زمنية معينة،مخصوما منها إهلاك الأصول الثابتة التي ساهمت في العملية الإنتاجية.
الثاني:تعريف ينظر إلى الدخل من زاوية عوائد عناصر الإنتاج،وهو عبارة عن الدخول المكتسبة بواسطة الإنتاج خلال فترة زمنية معينة عادة ما تكون سنة.
الثالث:ينظر إلى الدخل من زاوية الإنفاق،فالدخل القومي هو الإنفاق على السلع والخدمات الاستهلاكية والإنتاجية خلال فترة زمنية معينة (سنة).
ويفرق الاقتصاديون بين ما يسمى بالدخل القومي النقدي والدخل القومي الحقيقي،وهذا راجع لتغير مستويات الأسعار بين عام وأخر،حيث أن الدخل القومي الحقيقي هو الدخل النقدي بعد استبعاد التغيرات في أسعار السلع.
وتكمن أهمية دراسة الدخل القومي من خلال عدد من الأسباب:
الأول:قياس مدى نجاح السياسة الاقتصادية،حيث تستخدم تقديرات الدخل القومي في السنوات المتتالية لدراسة مدى نجاح السياسة الاقتصادية التي تتبعها الدولة ومقارنتها بنتائج السنوات السابقة،وفي ضوء ذلك يمكن تعديل السياسات الاقتصادية.
الثاني:قياس إنتاجية العمل في القطاعات المختلفة، ويمكن نقل الموارد المالية أو البشرية من قطاع إلى أخر في ضوء هذا القياس،ويمكن أيضا عن طريق مقارنة إنتاجية عنصر العمل في قطاع معين في تقدير السنوات، قياس التقدم الذي يحرزه المجتمع في هذا القطاع،ويمكن عن طريق مقارنة الزيادة في إنتاجية العمل مع الزيادة في مجموع الأجور وضع السياسات الملائمة فيما يتعلق بالعمالة،فالمفروض إن تتلاءم وتتوازن أو تتماشى الأجور مع إنتاجية العمل،أما إذا زادت عنها فان ذلك قد يترتب عليه أثار تضخمية ،أي زيادة في المستوى العام للأسعار بصورة متتالية.
الثالث:قياس قدرة الأفراد على تحمل الضرائب والقروض العامة،حيث أن مقدرة الأفراد على الاقتراض تتوقف على مستوى دخلهم،كما أن مقدرة المجتمع على تحمل الضرائب تتوقف على مقدار الخدمات العامة،والاقتراض العام يتوقف على الدخل القومي العام.
الرابع:قياس توزيع الدخل بين عناصر الإنتاج،حيث أن إحصاءات توزيع الدخل على عناصر الإنتاج المختلفة لتقدير نصيب كل من العمل والأرض وراس المال والتنظيم،تفيد في تقدير النسبة التي تمثلها هذه النسب من الدخل القومي،وهذا يجدي كثيرا في توجيه الأنشطة الاقتصادية في المجتمع.
الخامس:قياس مستوى رفاهية الأفراد،حيث أن الاقتصاديين يعتمدون على متوسط دخل الفرد في المجتمع كمقياس لمستوى رفاهية هذا المجتمع،وبالطبع إن قياس مستوى الرفاهية تتحكم فيه عوامل أخرى،لكنه يكشف عن مؤشر لذلك.
السادس:رسم السياسات المالية،حيث تستعين الدول في العصر الحديث ببيانات عن الدخل القومي المقدر للسنة المقبلة لرسم السياسات المالية الملائمة.
وأخيرا تكمن أهمية دراسة الدخل القومي في وضع الخطة الاقتصادية القومية،حيث يحتاج المخطط إلى صورة مبسطة للهيكل الاقتصادي للمجتمع يبين مدى ارتباط قطاعاته المختلفة لبعضها البعض،ومثل هذه البيانات يمكن الحصول عليها من خلال البيانات الخاصة بالدخل القومي.

3
ميز الاقتصاديون بين النمو الاقتصادي والتنمية الاقتصادية،على أساس أن المفهوم الأول يعني زيادة كمية في مستوى الدخل بدون أن يصاحبها تغير في هيكل الإنتاج والاقتصاد القومي ،أما التنمية الاقتصادية فتعني إلى جانب نمو الدخل حدوث تحولات أخرى،مثل التغير في هيكل الاقتصاد بحيث يتقلص النصيب النسبي لقطاع في الناتج المحلي الإجمالي لصالح إسهام قطاع أخر فيه،كالتحول من القطاع الزراعي للقطاع الخدمي أو الصناعي على سبيل المثال.
لقد عرف النمو الاقتصادي بأنه تحقيق زيادة في الدخل القومي أو الناتج القومي الحقيقي عبر الزمن،ويقاس معدل النمو الاقتصادي بمعدل النمو في الناتج القومي الحقيقي أو الدخل القومي الحقيقي،أي يقاس من خلال التعرف على المتغيرات في الناتج القومي الحقيقي أو الدخل القومي الحقيقي عبر الزمن،ويعتبر النمو الاقتصادي المؤشر الأساسي الذي يمكن أن يكشف بسهولة عن ما إذا كانت الفجوة بين الدول المتقدمة والدول النامية تزيد أم تقل،تتسع أم تضيق،فإذا زاد معدل النمو الاقتصادي بمعدلات سريعة ومتزايدة في دولة معينة،كان ذلك دليلا واضحا على أن تلك الدولة أو هذا الاقتصاد ينمو بمعدلات نمو اقتصادي تجعله يقلل الفجوة بينه وبين باقي الدول أو الاقتصادات المتقدمة والعكس صحيح.