المستفيد من الضمان المضمون



المستفيد من الضمان (المضمون)
بعد أن شمل الحديث عن الشخص الذي يمكن أن يضمن الكمبيالة لا بد من التطرق للشخص المستفيد من هذا الضمان أي الشخص المقدم لفائدته الضمان وبالتالي يقدم الضمان الاحتياطي لفائدة أي ملتزم، بمقتضى الكمبيالة سواء كان مظهرا أو ساحبا أو مسحوبا عليه القابل أو حتى ضامنا احتياطيا، وبالرجوع إلى المادة 180 بفقرتها .9.8.7.6يمكن أن نستنتج  الملاحظات الثالية فيما يخص المستفيد من الضمان الاحتياطي:
1.   باعتبار أن الضمان الاحتياطي يتدخل لضمان وفاء الكمبيالة وهكذا فلا بد أن يكون هذا الشخص المقدم لفائدته الضمان – أي المضمون- هو الآخر ملزم بوفاء مبلغ الكمبيالة ولا يكون هذا الشخص ملزما بوفاء مبلغ الكمبيالة إلا إذا كان موقعا عليها إذ أن مناط الالتزام الصرفي هو التوقيع، وهكذا فإن الضمان الاحتياطي لا يقدم إلا لفائدة شخص موقع على الكمبيالة.
2.   وإذاكان الضمان الاحتياطي يقدم لفائدة أي ملتزم بمقتضى الكمبيالة فهذا الملتزم يمكن أن يكون مظهرا أو ساحبا أو مسحوبا عليه القابل أو حتى ضامنا احتياطيا، فقواعد القانون المدني تجيز كفالة من كفل المدين الأصلي حسب المادة 1127 من ق.إ.ع"[1].
3.   وعلى الضامن الاحتياطي عند تقديمه للضمان عليه أن يعين الشخص الذي يقدم لفائدته هذا الضمان، أي عليه أن يعين المضمون وهذا ما كان قد سكت عنه القانون التجاري لسنة 1913 قبل تعديله، ولكن إذا أهمل ذكر المضمون أو إذا لم يعين فإن ضمانه لا يعتبر باطلا بل صحيحا ويعد ضمانه مقدم لفائدة الساحب (الفقرة 6 من 180 من.م.ت)[2] وهذا ما أقره "المشرع القطريفي الفقرة 2 م 500 ق.ت  والمشرع المصري في الفقرة 4 من م 419"[3].
وقد خلفت هذه المادة جدلا واسعا سواء في "التشريع المغربي أو المقارن الفرنسي حيث أصدرت عدة اجتهادات بهذا الصدد"[4].
وبالتالي فإن تعيين المستفيد من الضمان ليس شرطا لصحة الضمان فتخلف هذا البيان لا يجعل الضمان باطلا بل يعتبر صحيحا ومقدما لفائدة الساحب، ويبقى أن نحددها ما إذا كانت هذه القرينة الواردة في الفقرة 6 من م 180 قرينة قاطعة لا تقبل العكس أم هي قرينة قابلة لإثبات العكس.
لقد ذهب القضاء المغربي إلى اعتبار هذه القرينة قرينة قاطعة لا تقبل إثبات العكس، إذ أن المشرع يروم تفادي بطلان الضمان وبالتالي من خلال م 180 أن المشرع أقام قرينة على أن الضمان قدم لفائدة الساحب لأنه "يضمن الوفاء بالنسبة لجميع الموقعين ضمانا من النظام العام لا يمكنه التحليل منه أبدا ( المادة 165).[5]
لكن اختلف الفقه في تأويل هذا الرأي حيث ذهب البعض إلى اعتبارها "قرينة قاطعة وهو التوجه الذي أيده القضاء المغربي والفرنسي ومحكمة النقض اليونانية"[6]، وقد تمت معارضة هذا الجانب بشدة من طرف محاكم الاستئناف الفرنسية التي عارضتها على أساس أنها تناقض الإدارة الحقيقية للأطراف وواجهتها محكمة النقض حيث فصلت في هذا النقاش الدائر بصدد القرينة المنصوص عليها في م130 من ق.ت الفرنسي [7].
       والبعض أيد نظرية "القرينة البسيطة"[8] ويعتبر هذا الموقف صدى للنظريات التي تأثرت بقانون جنيف الموحد، والبعض الآخر أيد نظرية "القرينة المزدوجة"[9]، التي تجعل تارة قرينة قطعية، وثارة قرينة بسيطة تقبل إثبات العكس.
-       أما بالنسبة للمشرع المصري فقد أقر أن الضمان الاحتياطي جائز كذلك عن المسحوب عليه الذي لم يقبل الكمبيالة بعد ويتوقع قبوله مستقبلا إذ أن "المادة 778 من ق.م المصري تجير الكفالة في الدين المستقبل"[10] على أن " التزام الضامن الاحتياطي في هذا الفرض يكون معلقا على شرط موقف هو نشأة الالتزام الأصلي في ذمة المضمون"[11].
وبالتالي فإن المشرع المغربي والفرنسي موحد بخصوص هذا الموضوع نظرا لكثرة الاجتهادات القضائية، إذن فإذا تولى الضامن تحديد الشخص المضمون فإنه يؤخذ بذلك، وإذا أهمل هذا الضمان تحديد ذلك فإن المشرع وقع قرينة وهي أن الضمان أراد تقديم ضمانة لفائدة الساحب وكما قلنا هي قرينة قاطعة غير قابلة لإثبات العكس، وهذا ما خالفه أستاذنا السباعي حيث يخالف دون شك أو تردد ما استقر عليه الاجتهاد القضائي ببلادنا وفرنساالذي يميل لأن يجعل من القرينة الواردة في م 180، قرينة بسيطة قابلة لإثبات العكس بإظهار الإرادة الحقيقية لأن ذلك يقربنا إلى العدالة إن  لم نقل الإنصاف"[12].


[1]الفصل 1127 من ق.إ.ع المغربي:" لا يجوز كفالة المدين الأصلي فحسب بل تجوز كفالة من كفل هذا المدين"
[2] الفقرة 6 من المادة 180 من م.ت تنص:" يجب أن يعين في الضمان الطرف الذي قدم لفائدته وإلا اعتبر مقدما لصالح الساحب".
[3] الفقرة 2م500 ق القطري تنص:" ويذكر في الضمان اسم المضمون وإلا اعتبر الضمان حاصلا للساحب".
الفقرة 4 من م 419 من ق.ت المصري:" يذكر اسم المضمون وإلا اعتبر الضمان حاصلا للساحب".
[4]د، محمد الحارثي، مرجع سابق، ص/: 177.
[5]فمن جهة أولى طبقت المحاكم المغربية هذه القاعدة في مناسبات عديدة فقد صرحت استئنافية مراكش أنه:"طبقا للفصل 147 من ق.ت فإن الضمان الاحتياطي يجب أن يبين الطرف الذي قدم لفائدته وفي غياب هذا الشرط يجب اعتباره لضمان لتعهد الساحب ونتيجة لذلك إذا لم يعين الضمان الاحتياطي لفائدة من قدم فإن الساحب المنشيء للكمبيالة لا يمكن أن يقاضي الضامن الاحتياطي كمدين متضامن من إذ أن هدا الأخير اعتبر بأنه منح ضمانه الاحتياطي للساحب نفسه.
ومن جهة مقارنة يمكن اعتبار قرار محكمة النقض الفرنسية بجميع غرفها قد فصل القول في النقاش الدائر بصدد مدى تطبيق هذه القاعدة حينما صرح بأن القرينة في الفقرة 6 من الفصل 130 قرينة قطعية ولا يمكن ضحدها بإثبات عكسها.

[6]خلافا للمادة 23 من ق.إ.ع التي نصت على أن:"يجب أن يكون التزام الكفيل صريحا، والكفالة لا تفترض".
[7]ترى النظرية القرينة القاطعة أن تقديم الضمان الاحتياطي إلى الساحب عند السكوت عن بيان الشخص المضمون قرينة غير قابلة لإثبات العكس، وقد أقر هذا الموقف محكمة النقض الفرنسية مجتمعة بجميع غرفها بقرار 8 مارس 1960 الذي جاء فيه:"تطبيقا للمادة 31 من القانون اليوناني لسنة 1932، إذا لم يعين في الكمبيالة الشخص الذي قدم له الضمان، افترض أنه حاصل لمصلحة الساحب وهده القاعدة لا تقبل الدليل العكس" ولم يتأخر المجلس الأعلى على بلادنا عن الأخذ بقاعدة القرينة القاطعة أو القطعية وذلك بقرار 29 يونيو 1960، الذي يرفق أنة تكون مقتضيات إثبات فقط بل هي قواعد جواهرية لا يجوز مخالفتها.
[8]تقوم نظرية القرينة البسيطة على اعتبار أنها قرينة مستنتجة وبسيطة يمكن دحضها بإقامة الدليل العكس الذي يظهر إدارة الأطراف، وقد أخذت بهذه الفكرة المحكمة الفيدرالية السوسيرية والنمساوية.
[9] هذه القرينة القرينة تختلف من قطعية إلى قرينة بسيطة باختلاف نوع العلاقة التي تربط أطراف الكمبيالة

[10]القانون رقم 131 لسنة 1948، بإصدار القانون المدني م 778 تنص:" يجوز الكفالة في الدين المستقبل إذا حدد مقدما المبلغ المكفول، القاضي كما تجوز الكفالة في الدين الشرطي على أنه إذا كان الكفيل في الدين المستقبل لم يعين مدة للكفالة، لحالة في أي وقت أن يرجع فيها مادام الدين المكفول لم ينشأ.
[11]عبد الحميد الشواربي، مرجع سابق ص: 367.
[12]ذ، شكري السباعي، مرجع سابق، ص: 218.