مبدأ حسن النية كأساس للإلتزام بالإعلام



v   مبدأ حسن النية كأساس للإلتزام بالإعلام
v    يعتبر منح المستهلك رضاء متبصرا ومتنورا أحد الأهداف الاساسية لقوانين الاستهلاك، لأن المتعاقد لا يلتزم اتجاه الآخر إلا بما اتفق عليه من التزامات ولا يجوز التوسع في تفسيرها. هذا ما أدى إلى تعسف المهني في استعمال الحق وذلك بإلزام المستهلك بشروط تعسفية وبالتالي عدم تعادل أطراف العقد مما أدى إلى ظهور التزام بالإعلام لحماية المستهلك أو المتعاقد الآخر والحد من سلطة قاعدة العقد شريعة المتعاقدين وهذا ما سيتم التطرق إليه في هذا المبحث وذلك من خلال مطلبين أساسيين. يتمحور المطلب الأول حول الالتزام العام بالإعلام أما المطلب الثاني فسنتحدث حول الإلتزام الخاص بالإعلام.

هناك علاقة وطيدة بين الأخلاق والقانون، إذ تعتبر الكثير من الأحكام القانونية ترجمة لواجبات أخلاقية و باعتبار أن المستهلك هو الطرف الضعيف في علاقته بالمورد، ومن أجل حمايته قانونا، فقد حمل المشرع المسؤولية للمورد الذي يبرم عقده مع المستهلك "إذ يجب عليه الإلتزام بحسن النية وذلك سواء في المرحلة ما قبل التعاقد أو في مرحلة التعاقد باعتباره أحد المبادئ الأساسية التي تعد ضمانة لإعادة تخليق العقود.
الأمر الذي أدى إلى جعل من مبدأ حسن النية قبل التعاقد الأساس الذي يقوم عليه الإلتزام بالإعلام"[1].
وتم الإقرار  بهذا الإلتزام أساسا في الفصل 231 من ق.إ.ع الذي نص على أن "كل تعهد يجب تنفيذه بحسن نية، وهو لا يلزم بما وقع التصريح به فحسب، بل أيضا بكل ملحقات الإلتزام التي يقررها القانون أو العرف أو الإنصاف ووفق ما تقتضيه طبيعته".
وبعد تأكيد المشرع على الحق في إعلام المتعاقد بحسن نية في ق.إ.ع وبنص صريح، كما أن قانون حماية المستهلك في المادة 3 فقد نصت على "يجب على كل مورد أن يمكن المستهلك بأي وسيلة ملائمة من معرفة المميزات الأساسية للمنتوج أو السلعة أو الخدمة وكذا مصدر المنتوج أو السلعة وتاريخ الصلاحية إن اقتضى الحال، وأن يقدم إليه المعلومات التي من شأنها مساعدته على القيام باختيار معقول باعتبار حاجياته وإمكانياته ولهذه الغاية، يجب على كل مورد أن يعلم المستهلك بوجه خاص عن طريق وضع العلامة أو العنونة أو الإعلان أو بأي طريقة مناسبة أخرى بأسعار المنتوجات والسلع وبتعريفات الخدمات وطريقة الاستخدام أو دليل الاستعمال ومدة الضمان وشروطه والشروط الخاصة بالبيع أو تقديم الخدمة، وعند الاقتضاء القيود المحتملة للمسؤولية التعاقدية".
من خلال هذه المادة يتضح أن المشرع لم يقر بمبدأ حسن النية بصفة واضحة إلا أن أي وسيلة من وسائل الإعلام تلقائيا يجب أن تتم بحسن النية والرغبة في إخبار المستهلك بجميع الحالات التي تحيط بالشيء محل التعاقد، وبالنسبة للقوانين المقارنة فقد تم إقرار هذا المبدأ أيضا في التشريع المدني الفرنسي من خلال الفصل 1134[2]، والفصل 148 من القانون المدني المصري[3].
وحسن النية من العبارات الأخلاقية التي تم إقرارها بداية من طرف الفقه وأصبحت فيما بعد تشكل جزء لا يتجزأ من التشريعات سواء المغربية أو المقارنة، كل ذلك جاء كرد فعل على الإخلالات التي تشهدها العقود نظرا لعدم التوازن في هذه العلاقات، وانعدام الثقة وسوء النية وتعسف المورد في استعمال حقه اتجاه المستهلك الطرف الضعيف الذي لا دراية له بحنكة وخبرة المورد.
"وهذا المبدأ يجب أن يكون أساسا قبل التعاقد لأن ما الحاجة لإقراره ما دام المستهلك قد أبرم العقد موافقا على جميع الشروط والالتزامات"[4]. إلا أنه ومع ذلك يتعين على البائع المهني أن يلتزم بمبدأ حسن النية حتى أثناء تنفيذ العقد، ويتجلى ذلك من خلال إعلام المستهلك بكيفية استعمال المنتوج من أجل ضمان السلامة الصحية لهذا الأخير.
"وبما أن مبدأ حسن النية والإلتزام بالإعلام يهدفان إلى حماية رضا المستهلك سواء في العقد الاستهلاكي أو غيره من العقود الأخرى، يعتبر الإخلال بالإعلام هو إخلال بالإلتزام بحسن النية"[5].
لذلك يجب على كل مهني أن يتحلى بهذا المبدأ عند إبرامه أي عقد، "وهذا المبدأ يعني انتفاء قصده في الإضرار بالطرف الآخر وأيضا عليه أن يتصف بقدر من اليقظة والحزم والتبصر عند إعلامه بوضعية الشيء محل التعاقد لكي يتفادى الإضرار بالطرف الآخر، ولا يتوفر حسن النية إلا إذا إنتفت الشروط التالية:
1. انتفاء الخطأ العمد
2. انتفاء الغش
3. انتفاء التعسف في استعمال الحق
4. انتفاء الخطأ الجسيم"[6]
ومن خلال ما سبق يتضح أن مبدأ حسن النية يفرض على كل طرف أن يبدل كل ما في وسعه من جهد وإمكانيات لكن يمكن الطرف الآخر من الحصول على أكبر منفعة من تنفيذ العقد، ولهذا السبب يجب على كل طرف أن يدلي للطرف الآخر بكل المعلومات التي تفيده في الوصول إلى هذه الغاية.
وقد جاء في أحد القرارات الذي صنف من بين أهم القرارات الكبرى في فرنسا، ويتعلق الأمر بقرار محكمة النقض الفرنسية الصادرة بتاريخ 10 ماي 1989 قرار رقم 187:
"حيث إن الزوجين (ب) كانا قد اقترضا بتاريخ 20يونيو 1979، من أحد البنوك مبلغا من النقود يصل إلى 100.000 فرنك فرنسي مخصصة لمواجهة مصروفاتهما اليومية، ورفع الزوجان (ج) في نفس التاريخ على إلتزام بالضمان محصور في نفس المبلغ، لقد إلتزما بالتضامن بكفالة كل المبالغ التي تستحق للبنك على المقترضين بما فيها الفوائد والمصاريف وملحقاتها، وعندما استحق الضمان عليهما لتخلف المقترضين عن الأداء، طالب الزوجان ببطلان الكفالة بسبب التدليس، وذلك لأن البنك لم يتخذ المبادرة لابلاغهما، أثناء تقديم الكفالة بأن ديون الزوجين اتجاه البنك كانت تفوق 113.000 فرنك قبل الحصول على القرض الأخير"، شعرت محكمة الدرجة الأولى بقوة الحجة، فحكمت لهما وفق الطلب، لكن محكمة الاستئناف قررت عكس ذلك فألزمتهما بالأداء بحجة أنه ليس من المؤكد أنهما كانا سيمتنعان عن ضمان الزوجين ب ...لو تم إعلامهما بالوضعية المادية لهذين الأخيرين وبمديونيتهما اتجاه البنك. لكن الغرفة التجارية بمحكمة النقض في قراراها الصادر بتاريخ 10 ماي 1989، نقضت هذا القرار إستنادا إلى المادتين 1116 و 1134 ق.م و عللت قرارها بما يلي: "لم ينفذ البنك التزامه بالتعاقد بحسن نية، كما يعد البنك مرتكبا للتدليس عن طريق الكتمان طالما كان يعلم بالوضعية الحرجة للمدين ...".


[1] - عبد الرزاق حياني: التوجهات الحديثة في العقد، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة في القانون المدني، كلية العلوم القانونية والاجتماعية والاقتصادية، الدار البيضاء، 1998. ص: 13.
[2] - ينص الفصل 1134 / 3 على ما يلي: "يجب تنفيذ الاتفاقات بحسن نية".
(les conventions doivent être exécutées de bonne foi) 
[3] - ينص الفصل 148 من ق.م. المصري "يجب تنفيذ العقد طبقا لما اشتمل عليه وبطريقة تتفق مع ما يوجبه حسن النية".
[4] - رشيد لمسياح: رسالة لنيل دبلوم في قانون العقود والعقار في موضوع حماية المستهلك وفقا لقانون رقم 31.08 سنة 2013. ص : 23.
[5] - رشيد لمسباح: مرجع سابق، ص: 23.
[6] - أحمد أبران: حماية المستهلك في ضوء القواعد العامة والخاصة، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة في قانون الأعمال، جامعة محمد الأول كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية – وجدة. سنة 2000، ص : 24.